الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الأصل الثالث من الأصول الموهومة : الاستحسان . وقد قال به أبو حنيفة وقال الشافعي من استحسن فقد شرع ، ورد الشيء قبل فهمه محال فلا بد أولا من فهم الاستحسان . وله ثلاثة معان : الأول ، وهو الذي يسبق إلى الفهم : ما يستحسنه المجتهد بعقله ، ولا شك في أنا نجوز ورود التعبد باتباعه عقلا بل لورود الشرع بأن ما سبق أوهامكم واستحسنتموه بعقولكم أو سبق إلى أوهام العوام مثلا فهو حكم الله عليكم لجوزناه ، ولكن وقوع التعبد لا يعرف من ضرورة العقل ونظره بل من السمع ولم يرد فيه سمع متواتر ولا نقل آحاد ، ولو ورد لكان لا يثبت بخبر الواحد ، فإن جعل الاستحسان مدركا من مدارك أحكام الله تعالى ينزل منزلة الكتاب والسنة والإجماع وأصلا من الأصول لا يثبت بخبر الواحد ، ومهما انتفى الدليل وجب النفي .

المسلك الثاني : أنا نعلم قطعا إجماع الأمة قبلهم [ ص: 172 ] على أن العالم ليس له أن يحكم بهواه وشهوته من غير نظر في دلالة الأدلة ، والاستحسان من غير نظر في أدلة الشرع حكم بالهوى المجرد وهو كاستحسان العامي ومن لا يحسن النظر ، فإنه إنما جوز الاجتهاد للعالم دون العامي ; لأنه يفارقه في معرفة أدلة الشريعة وتمييز صحيحها من فاسدها ، وإلا فالعامي أيضا يستحسن ، ولكن يقال : لعل مستند استحسانك وهم وخيال لا أصل له .

ونحن نعلم أن النفس لا تميل إلى الشيء إلا بسبب مميل إليه ، لكن السبب ينقسم إلى ما هو وهم وخيال إذا عرض على الأدلة لم يتحصل منه طائل ، وإلى ما هو مشهور من أدلة الشرع ، فلم يميز المستحسن ميله عن الأوهام وسوابق الرأي إذا لم ينظر في الأدلة ولم يأخذ منها . ولهم شبه ثلاث :

الشبهة الأولى : قوله تعالى { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم } وقال : { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } .

قلنا : اتباع أحسن ما أنزل إلينا هو اتباع الأدلة ، فبينوا أن هذا مما أنزل إلينا فضلا عن أن يكون من أحسنه وهو كقوله تعالى : { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } ثم نقول : نحن نستحسن إبطال الاستحسان وأن لا يكون لنا شرع سوى المصدق بالمعجزة ، فليكن هذا حجة عليهم . الجواب الثاني : أن يلزم من ظاهر هذا اتباع استحسان العامي والطفل والمعتوه لعموم اللفظ .

فإن قلتم : المراد به بعض الاستحسانات وهو استحسان من هو من أهل النظر ، فكذلك نقول : المراد كل استحسان صدر عن أدلة الشرع ، وإلا فأي وجه لاعتبار أهلية النظر في الأدلة مع الاستغناء عن النظر ؟

الشبهة الثانية : قوله صلى الله عليه وسلم { ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن } . ولا حجة فيه من أوجه .

الأول : أنه خبر واحد لا تثبت به الأصول .

الثاني : أن المراد به ما رآه جميع المسلمين ; لأنه لا يخلو أن يريد به جميع المسلمين أو آحادهم ، فإن أراد الجميع فهو صحيح إذ الأمة لا تجتمع على حسن شيء إلا عن دليل ، والإجماع حجة ، وهو مراد الخبر .

وإن أراد الآحاد لزم استحسان العوام ، فإن فرق بأنهم ليسوا أهلا للنظر قلنا : إذا كان لا ينظر في الأدلة فأي فائدة لأهلية النظر .

الثالث : أن الصحابة أجمعوا على استحسان منع الحكم بغير دليل ، ولا حجة ; لأنهم مع كثرة وقائعهم تمسكوا بالظواهر والأشباه وما قال واحد حكمت بكذا وكذا لأني استحسنته ولو قال ذلك لشددوا الإنكار عليه وقالوا : من أنت حتى يكون استحسانك شرعا وتكون شارعا لنا وما قال معاذ حيث بعثه إلى اليمن إني أستحسن بل ذكر الكتاب والسنة والاجتهاد فقط .

الشبهة الثالثة : أن الأمة استحسنت دخول الحمام من غير تقدير أجرة وعوض الماء ولا تقدير مدة السكون واللبث فيه ، وكذلك شرب الماء من يد السقاء بغير تقدير العوض ولا مبلغ الماء المشروب ; لأن التقدير في مثل هذا قبيح في العادات ، فاستحسنوا ترك المضايقة فيه ، ولا يحتمل ذلك في إجارة ولا بيع والجواب من وجهين :

الأول : أنهم من أين عرفوا أن الأمة فعلت ذلك من غير حجة ودليل لعل الدليل جريان ذلك في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 173 ] مع معرفته به وتقريره عليه لأجل المشقة في تقدير الماء المشروب والمصبوب في الحمام وتقدير مدة المقام والمشقة سبب الرخصة

الثاني : أن نقول شرب الماء بتسليم السقاء مباح ، وإذا أتلف ماءه فعليه ثمن المثل ، إذ قرينة حاله تدل على طلب العوض فيما بذله في الغالب ، وما يبذل له في الغالب يكون ثمن المثل فيقبله السقاء ، فإن منع فعليه مطالبته فليس في هذا إلا الاكتفاء في معرفة الإباحة بالمعاطاة والقرينة وترك المماكسة في العوض ، وهذا مدلول عليه من الشرع .

وكذلك داخل الحمام مستبيح بالقرينة ومتلف بشرط العوض بقرينة حال الحمامي ، ثم ما يبذله إن ارتضى به الحمامي واكتفى به عوضا أخذه ، وإلا طالبه بالمزيد إن شاء ، فليس هذا أمرا مبدعا ولكنه منقاس ، والقياس حجة التأويل الثاني للاستحسان قولهم : المراد به دليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعده العبارة عنه ولا يقدر على إبرازه وإظهاره وهذا هوس ; لأن ما لا يقدر على التعبير عنه لا يدري أنه وهم وخيال أو تحقيق ولا بد من ظهوره ليعتبر بأدلة الشريعة لتصححه الأدلة أو تزيفه ، أما الحكم بما لا يدري ما هو فمن أي يعلم جوازه أبضرورة العقل أو نظره أو بسمع متواتر أو آحاد ؟ ولا وجه لدعوى شيء من ذلك ، كيف وقد قال أبو حنيفة : إذا شهد أربعة على زنا شخص لكن عين كل واحد منهم زاوية من زوايا البيت وقال زنى فيها فالقياس أن لا حد عليه ، لكنا نستحسن حده فيقول له : لم يستحسن سفك دم مسلم من غير حجة إذ لم تجتمع شهادة الأربعة على زنا واحد ، وغايته أن يقول : تكذيب المسلمين قبيح وتصديقهم وهم عدول حسن فنصدقهم ونقدر دورانه في زنية واحدة على جميع الزوايا بخلاف ما لو شهدوا في أربعة بيوت فإن تقدير التزاحف بعيد وهذا هوس ; لأنا نصدقهم ولا نرجم المشهود عليه ، كما لو شهد ثلاثة وكما لو شهدوا في دور ، وندرأ الرجم من حيث لم نعلم يقينا اجتماع الأربعة على شهادة واحدة ، فدرء الحد بالشبهة أحسن ، كيف ؟ وإن كان هذا دليلا فلا ننكر الحكم بالدليل ، ولكن لا ينبغي أن يسمى بعض الأدلة استحسانا التأويل الثالث : للاستحسان ذكره الكرخي وبعض أصحاب أبي حنيفة ممن عجز عن نصرة الاستحسان وقال : ليس هو عبارة عن قول بغير دليل بل هو بدليل ، وهو أجناس : منها العدول بحكم المسألة عن نظائرها بدليل خاص من القرآن مثل قوله : مالي صدقة لله أو علي أن أتصدق بمالي ، فالقياس لزوم التصدق بكل ما يسمى مالا ، لكن استحسن أبو حنيفة التخصيص بمال الزكاة لقوله تعالى : { خذ من أموالهم صدقة } ولم يرد إلا مال الزكاة .

ومنها أن يعدل بها عن نظائرها بدليل السنة كالفرق في سبق الحدث والبناء على الصلاة بين السبق والتعمد على خلاف قياس الأحداث ، وهذا مما لا ينكر ، وإنما يرجع الاستنكار إلى اللفظ وتخصيص هذا النوع من الدليل بتسميته استحسانا من بين سائر الأدلة ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث