الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله "

القول في تأويل قوله عز ذكره ( والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ويحكم بالتوراة وأحكامها التي أنزل الله فيها في كل زمان - على ما أمر بالحكم به فيها - مع النبيين الذين أسلموا"الربانيون والأحبار" .

و"الربانيون " جمع " رباني " ، وهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس ، وتدبير أمورهم ، والقيام بمصالحهم و"الأحبار " ، هم العلماء .

وقد بينا معنى"الربانيين " فيما مضى بشواهده ، وأقوال أهل التأويل فيه .

وأما " الأحبار " ، فإنهم جمع " حبر " ، وهو العالم المحكم للشيء ، ومنه قيل لكعب : " كعب الأحبار " .

وكان الفراء يقول : أكثر ما سمعت العرب تقول في واحد"الأحبار " ، " حبر " بكسر " الحاء " .

[ ص: 342 ] وكان بعض أهل التأويل يقول : عني ب"الربانيين والأحبار " في هذا الموضع : ابنا صوريا اللذان أقرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحكم الله تعالى ذكره في التوراة على الزانيين المحصنين .

ذكر من قال ذلك :

12011 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : كان رجلان من اليهود أخوان ، يقال لهما ابنا صوريا ، وقد اتبعا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسلما ، وأعطياه عهدا أن لا يسألهما عن شيء في التوراة إلا أخبراه به . وكان أحدهما ربيا ، والآخر حبرا . وإنما اتبعا النبي صلى الله عليه وسلم يتعلمان منه . فدعاهما ، فسألهما ، فأخبراه الأمر كيف كان حين زنى الشريف وزنى المسكين ، وكيف غيروه ، فأنزل الله : " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا " ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم " والربانيون والأحبار " ، هما ابنا صوريا ، للذين هادوا . ثم ذكر ابني صوريا فقال : " والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء " .

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر أن التوراة يحكم بها مسلمو الأنبياء لليهود ، والربانيون من خلقه والأحبار . وقد يجوز أن يكون عني بذلك ابنا صوريا وغيرهما ، غير أنه قد دخل في ظاهر التنزيل مسلمو الأنبياء وكل رباني وحبر . ولا دلالة في ظاهر التنزيل على أنه معني به خاص من الربانيين والأحبار ، ولا قامت بذلك حجة يجب التسليم لها . فكل رباني وحبر داخل في الآية بظاهر التنزيل .

وبمثل الذي قلنا في تأويل " الأحبار " ، قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

[ ص: 343 ] 12012 - حدثنا سفيان بن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سلمة ، عن الضحاك : "الربانيون " و " الأحبار " ، قراؤهم وفقهاؤهم .

12013 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حفص ، عن أشعث ، عن الحسن : " الربانيون والأحبار " ، الفقهاء والعلماء .

12014 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : "الربانيون " ، العلماء الفقهاء ، وهم فوق"الأحبار" .

12015 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : "الربانيون " ، فقهاء اليهود "والأحبار " ، علماؤهم .

12016 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا سنيد بن داود قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة : " والربانيون والأحبار " ، كلهم يحكم بما فيها من الحق .

12017 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد "الربانيون " ، الولاة ، "والأحبار " ، العلماء .

وأما قوله : "بما استحفظوا من كتاب الله " ، فإن معناه : يحكم النبيون الذين أسلموا بحكم التوراة ، والربانيون والأحبار يعني العلماء بما استودعوا علمه من كتاب الله الذي هو التوراة .

و"الباء " في قوله : "بما استحفظوا " ، من صلة " الأحبار " .

وأما قوله : "وكانوا عليه شهداء " ، فإنه يعني : أن الربانيين والأحبار بما استودعوا من كتاب الله ، يحكمون بالتوراة مع النبيين الذين أسلموا للذين هادوا ، وكانوا على حكم النبيين الذين أسلموا للذين هادوا شهداء أنهم قضوا عليهم بكتاب الله الذي أنزله على نبيه موسى وقضائه عليهم ، كما : -

[ ص: 344 ] 12018 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : "وكانوا عليه شهداء " ، يعني الربانيين والأحبار ، هم الشهداء لمحمد صلى الله عليه وسلم بما قال ، أنه حق جاء من عند الله ، فهو نبي الله محمد ، أتته اليهود . فقضى بينهم بالحق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث