الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآية السادسة قوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط

الآية السادسة قوله تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا } . فيها ثلاث مسائل :

المسألة الأولى : قوله : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } هذا مجاز ، عبر به عن البخيل الذي لا يقدر من قلبه على إخراج شيء من ماله فضرب له مثلا الغل الذي يمنع من تصرف اليدين ، وقد ضرب له النبي صلى الله عليه وسلم مثلا آخر ، فقال : { مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد ، من لدن ثديهما إلى تراقيهما ، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت ووفرت على جلده حتى يخفى بنانه ، ويعفو أثره . وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا لزمت كل حلقة مكانها . فهو يوسع ولا يتسع } .

المسألة الثانية : قوله : { ولا تبسطها كل البسط } ضرب بسط اليد مثلا لذهاب المال ، فإن قبض الكف يحبس ما فيها ، وبسطها [ ص: 192 ] يذهب ما فيها ، ومنه المثل المضروب في سورة الرعد : { إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه } . في أحد وجهي تأويله ، كأنه حمله على التوسط في المنع والدفع ، كما قال : { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } فيؤول معنى الكلام إلى أوجه ثلاثة :

الأول : لا يمتنع عن نفقته في الخير ، ولا ينفق في الشر .

الثاني : لا يمنع حق الله ، ولا يتجاوز الواجب ; لئلا يأتي من يسأل ، فلا يجد عطاء .

الثالث : لا تمسك كل مالك ، ولا تعط جميعه ، فتبقى ملوما في جهات المنع الثلاث ، محسورا ، أي منكشفا في جهة البسط والعطاء للكل أو لسائر وجوه العطاء المذمومة .

المسألة الثالثة : هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ، وكثيرا ما جاء في القرآن ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان سيدهم وواسطتهم إلى ربهم عبر به عنهم ، على عادة العرب في ذلك ، فإنه صلى الله عليه وسلم كان قد خيره الله في الغنى والفقر ، فاختار الفقر ، يجوع يوما ، ويشبع يوما ، ويشد على بطنه من الجوع حجرين ، وكان على ذلك صبارا ، وكان يأخذ لعياله قوت سنتهم حين أفاء الله عليه النضير وفدك وخيبر ، ثم يصرف ما بقي في الحاجات ، حتى يأتي أثناء الحول وليس عنده شيء ، فلم يدخل في هذا الخطاب بإجماع من الأمة ، لما هو عليه من الخلال والجلال ، وشرف المنزلة ، وقوة النفس على الوظائف ، وعظيم العزم على المقاصد ، فأما سائر الناس فالخطاب عليهم وارد ، والأمر والنهي كما تقدم إليهم متوجه ، إلا أفرادا خرجوا من ذلك بكمال صفاتهم ، وعظيم أنفسهم ، منهم { أبو بكر الصديق ، خرج عن جميع ماله للنبي صلى الله عليه وسلم فقبله منه لله سبحانه } ; وأشار علي أبي لبابة وكعب بالثلث من جميع مالهم ; لنقصهم عن هذه المرتبة في أحوالهم ; وأعيان من الصحابة ، كانوا على هذا ، فأجراهم النبي صلى الله عليه وسلم وائتمروا بأمر الله ، واصطبروا على بلائه ، ولم تتعلق قلوبهم بدنيا ، ولا ارتبطت أبدانهم بمال منها ; وذلك لثقتهم بموعود الله في الرزق ، وعزوب أنفسهم عن التعلق بغضارة الدنيا . [ ص: 193 ]

وقد كان في أشياخي من ارتقى إلى هذه المنزلة فما ادخر قط شيئا لغد ، ولا نظر بمؤخر عينه إلى أحد ، ولا ربط على الدنيا بيد ، وقد تحقق أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، وهو بعباده خبير بصير .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث