الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الصلاة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

800 [ ص: 5 ] ص: كتاب الصلاة

التالي السابق


ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الصلاة ، شرع في بيان الصلاة بأنواعها التي هي المشروطة، والشرط مقدم على المشروط، وقدمها على الزكاة، والصوم، وغيرهما لما أنها تالية الإيمان وثانيته في الكتاب والسنة، ولشدة الاحتياج وعمومه إلى تعلمها؛ لكثرة وقوعها ودورانها، بخلاف غيرها من العبادات.

وهي في اللغة: من تحريك الصلوين، وهما العظمان الناتئان عند العجيزة، وقيل: من الدعاء.

فإن كانت من الأول تكون من الأسماء المغيرة شرعا المقررة لغة.

وإن كانت من الثاني تكون من الأسماء المنقولة.

وفي الشرع: عبارة عن الأركان المعلومة، والأفعال المخصوصة .

وقال ابن الأثير : وأصلها في اللغة الدعاء ، فسميت ببعض أجزائها، وقيل: إن أصلها في اللغة التعظيم، وسميت العبادة المخصوصة صلاة لما فيها من تعظيم الرب انتهى. وقيل: إن أصلها من الاستقامة، تقول: صليت العود إذا قومته، وقيل: من الرحمة، وقيل: من التقرب، من شاة مصلية وهي التي قربت إلى النار، وقيل: من اللزوم، قال الزجاج : يقال صلي، واصطلى إذا لزم.

وأنكر غير واحد بعض هذه الاشتقاقات؛ لأن "لام" الكلمة في الصلاة "واو"، وفي بعض هذه الأقوال لامها "ياء"؛ فلا يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف.

قلت: إن أراد به الاشتقاق الصغير فمسلم، وإن أراد به الاشتقاق الكبير أو الأكثر، فلا يمتنع ذلك، فافهم.

فإن قيل: متى فرضت الصلاة؟ وكيف فرضت؟ ومتى فرض الوضوء؟ وكيف فرض؟

[ ص: 6 ] قلت: جاء في "مسند الحارث بن أبي أسامة " من حديث أسامة بن زيد "أن جبريل - عليه السلام- أتاه في أول ما أوحي إليه فعلمه الوضوء، والصلاة".

ورواه ابن ماجه بلفظ: " علمني جبريل الوضوء ، وذكر الحربي أن الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس، وصلاة قبل طلوعها، قال الله تعالى: وسبح بالعشي والإبكار

وذكر الحكيم أبو عبد الله الترمذي في كتاب الصلاة: إن أول فرض كتب على هذه الأمة: الصلاة، وأهلها مسئولون عنها يوم القيامة في أول جسر من الجسور السبعة، وقال مقاتل : كان فرضها ركعتين ركعتين، وقال القزاز : فرضت الصلاة أولا ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، وهما معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: "من صلى البردين دخل الجنة" ، إلى ليلة الإسراء فرضت على الخمس بغير أوقات فكان الرجل يصليها في وقت واحد إن شاء، وإن شاء فرقها، ثم لما هاجر صلاها ركعتين ركعتين بأوقات، ثم زيد في صلاة الحضر، وفرض الوضوء والغسل. انتهى كلامه.

وقال أبو عمر : روي عن ابن عباس أن الصلاة فرضت في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين ، وكذلك قال نافع بن جبير ، والحسن ، وهو قول ابن جريج .

وقال ابن حزم : لم يأت قط أثر - يعني صحيحا - أن الوضوء كان فرضا بمكة شرفها الله تعالى.

[ ص: 7 ] قلت: روى الطبراني في "الكبير"، والدارقطني : "أن جبريل -عليه السلام- نزل على رسول الله -عليه السلام- بأعلى مكة فهمز له بعقبه فأنبع الماء، وعلمه الوضوء" .

وقال السهيلي : الوضوء مكي، ولكنه مدني التلاوة.

وفي بعض شروح البخاري : وفي بعض الأحاديث أنه -عليه السلام- صلى في أول النبوة عند زوال الشمس.

وقال القرطبي وعياض : لا خلاف أن خديجة -رضي الله عنها- صلت مع النبي -عليه السلام- بعد فرض الصلاة، وأنها توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين، والعلماء مجمعون أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء ، وفي كتاب الزبير بن بكار عن عائشة -رضي الله عنها-: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة . انتهى.

قلت: لعلها أرادت فرضها ليلة الإسراء.

وقيل: إنها توفيت في شوال سنة عشر بعد أبي طالب بثلاثة أيام، وقيل: بخمسة، وقيل: في رمضان قبل الهجرة بأربع سنين.

وفي الصحيح: " فرضت الصلاة بمكة ركعتين ركعتين، فلما هاجر فرضت أربعا وأقرت صلاة السفر" ، وفي رواية: "بعد الهجرة بسنة" ، وفي مسند أحمد : "فرضت ركعتان ركعتان، إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا" .

وزعم ابن عبد البر أن قول عائشة -رضي الله عنها-: "فرضت" أي قدرت، والفرض في اللغة التقدير.

وزعم السهيلي أن الزيادة تسمى نسخا؛ لأن النسخ رفع الحكم، فقد ارتفع حكم [ ص: 8 ] الإجزاء بالركعتين، وأما الزيادة في عدد الصلوات حين أكملت خمسا بعد أن كانت اثنتين اثنتين فكذلك ارتفع حكم الصلاتين يعني صلاة العشي، وصلاة الإبكار.

وفي صحيح البخاري عن عائشة -رضي الله عنها-: " فرض الله له الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر" .

وذكر أن الصلوات زيدت فيها ركعتان ركعتان، وزيد في المغرب ركعة.

فإن قيل: هذا يعارض قوله تعالى: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة فيدل أن صلاة السفر كانت كاملة؛ إذ لا يجوز أن يؤمروا بالقصر إلا من شيء تام قبل القصر، والدليل على ذلك أنه -عليه السلام- صلى بالناس يوم أنزلت صلاة الخوف بكل طائفة ركعتين ركعتين .

قلت: قال الطحاوي - رحمه الله -: لا تعارض بينهما؛ لجواز أن يكون فرض الصلاة كان ركعتين في الحضر والسفر فلما زيد في صلاة الحضر قيل لهم: إذا ضربتم في الأرض فصلوا ركعتين مثل الفريضة الأولى.

وقال ابن بطال : قال جماعة من العلماء لم يكن على نبينا صلاة مفروضة قبل الإسراء إلا ما كان أمر به من قيام الليل من غير تحديد ركعات معلومة ولا وقت محصور، وقام المسلمون معه نحو حول حتى شق عليهم، فأنزل الله التخفيف عنهم، قال ابن عباس : لما نزلت: يا أيها المزمل كانوا يقومون نحوا من قيامهم في رمضان حتى نزل آخرها بعد حول.

وزعم ابن عباس ، ونافع بن جبير بن مطعم ، وابن جريج : أن الصلاة فرضت أولا أربعا أربعا، وفي السفر ركعتين ركعتين .

[ ص: 9 ] وذكر عبد الملك بن حبيب في "شرح الموطأ": ثنا أسد بن موسى ، عن المبارك بن فضالة ، عن الحسن : "أن رسول الله -عليه السلام- لما جاء بالخمس صلوات إلى قومه خلى عنهم حتى إذا زالت الشمس عن بطن السماء نودي فيهم: الصلاة جامعة. ففزعوا لذلك، فاجتمعوا فصلى بهم الظهر أربع ركعات لا يعلن فيها بالقراءة، أطال الأولتين، وخفف الأخرتين ، جبريل -عليه السلام- بين يدي النبي -عليه السلام-، ونبي الله بين أيدي الناس يقتدي الناس به، ويقتدي نبي الله بجبريل -عليه السلام- ، ثم خلى عنهم حتى إذا تصوبت الشمس وهي بيضاء نقية نودي فيهم: الصلاة جامعة، فاجتمعوا لذلك فصلى بهم العصر أربع ركعات... " الحديث، وفي المغرب ثلاثا، وفي العشاء أربعا كصلاة اليوم، وفي الصبح ركعتين.

ثم اعلم أنه لا خلاف أن الصلوات الخمس فرضت ليلة المعراج ، روى البيهقي من طريق موسى بن عقبة ، عن الزهري أنه قال: "أسري برسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل خروجه إلى المدينة بسنة" . وعن السدي : فرض رسول الله -عليه السلام- الخمس ببيت المقدس ليلة أسري به قبل مهاجره بستة عشر شهرا ، فعلى قوله يكون الإسراء في شهر ذي القعدة، وعلى قول الزهري يكون في ربيع الأول، وعن جابر وابن عباس -رضي الله عنهم-، قالا: ولد رسول الله -عليه السلام- عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وفيه بعث، وفيه هاجر، وفيه مات " رواه ابن أبي شيبة ، قيل: كان الإسراء ليلة السابع والعشرين من رجب ، وقد اختاره الحافظ عبد الغني المقدسي في سيرته.

ومن الناس من يزعم أن الإسراء كان أول ليلة جمعة من شهر رجب، وهي ليلة الرغائب التي أحدثت فيها الصلاة المشهورة، ولا أصل لذلك.

ثم اختلفوا في أن الإسراء والمعراج هل كانا في ليلة واحدة أو كل في ليلة على حدة، منهم من زعم أن الإسراء في اليقظة، والمعراج في المنام، وقيل: كان الإسراء مرتين مرة بروحه مناما، ومرة بروحه وبدنه يقظة، ومنهم من يدعي تعدد الإسراء في اليقظة أيضا حتى قال: إنها أربع إسراءات، وزعم بعضهم أن بعضها كان بالمدينة .

[ ص: 10 ] ووفق أبو شامة بين هذه الروايات حديث الإسراء بالجمع بالتعدد، فجعل ثلاث إسراءات مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط على البراق، ومرة من مكة إلى السماوات على البراق أيضا، ومرة من مكة إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات. والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث