الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( ( فصل في ذكر من قيل بعدم قبول إسلامه من طوائف أهل العناد والزندقة والإلحاد ) )

اعلم - وفقني الله وإياك - أن علماءنا ذكروا تحتم قتل جماعة من الزنادقة وأهل الإلحاد ; لعدم قبول إسلامهم بحسب الظاهر كالزنديق ، ومن تكررت ردته ، أو كفر بسحره ، أو سب الله ، أو رسوله ، أو تنقصه ، وأما حكمهم في الآخرة ، فإن صدقوا قبل بلا خلاف ، وعن الإمام أحمد - رضي الله عنه - رواية ثانية أن توبتهم تقبل كغيرهم وهذا الذي نختاره ; ولهذا قال :


( ( وقيل في الدروز والزنادقة وسائر الطوائف المنافقة ) )      ( ( وكل داع لابتداع يقتل
كمن تكرر نكثه لا يقبل ) )      ( ( لأنه لم يبد من إيمانه
إلا الذي أذاع من لسانه ) )      ( ( كملحد وساحر وساحرة
وهم على نياتهم في الآخرة ) )      ( ( قلت وإن دلت دلائل الهدى
كما جرى للعيلبوني اهتدى ) )      ( ( فإنه أذاع من أسرارهم
ما كان فيه الهتك عن أستارهم ) )      ( ( وكان للدين القويم ناصرا
فصار منا باطنا وظاهرا ) )      ( ( فكل زنديق وكل مارق
وجاحد وملحد منافق ) )      ( ( إذا استبان نصحه للدين
فإنه يقبل عن يقين ) )

[ ص: 391 ] ( ( وقيل ) ) وهو المذهب فقها ( ( في ) ) طوائف ( ( الدروز ) ) من الحمزاوية أتباع حمزة ، المدعو عندهم بهادي المستجيبين ، والبرذعي ، والدرزي وغيرهم ، من الحاكميين القائلين بإلهية الحاكم العبيدي ، وكان أخصهم بالحاكم وأعجبهم إليه حمزة المدعو بهادي المستجيبين ، وهو حمزة اللباد وكان أعجميا من الزورى فأظهر الدعاء إلى عبادة الحاكم ، وزعم أن الإله حل فيه واجتمع إليه جماعة من غلاة الإسماعيلية ، وكثر جمعه ومن دخل في دعوته وشاع ذلك فظهر . وكان الحاكم إذا ركب إلى تلك الجهة التي هو بها ، فإنه كان مقيما في المسجد الذي عند سقاية زيدان بظاهر باب النصر من مصر ؛ خرج إليه من المسجد وانفرد به ويقف الحاكم له راكبا ، فيحادثه ويفاوضه وارتفع شأن هذا الملعون ، واتخذ لنفسه خواصا لقبهم بألقاب ، منهم رجل لقبه بسفير القدرة وجعله رسولا ، فكان يرسله لأخذ البيعة على ما يعتقده الحاكم ، ثم نبغ شاب من موالي الأتراك اسمه أنوشتكين البخاري ، ويعرف بالدرزي فسلك طريق الزوري ، فكثر تبعه والمنتابون إليه ، وإليه تنسب طائفة الدروز ، وكان أيضا يقف للحاكم ويخلو به ويقرر معه ما يفعله ، وسمى نفسه سيد الهادين وحياة المستجيرين ، وهؤلاء وأتباعهم ومن نحا نحوهم هم الطائفة الموسومة بالإسماعيلية .

قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية - روح الله روحه - : الإسماعيلية كانوا ملوك مصر القاهرة ، وكانوا يزعمون أنهم خلفاء علويون فاطميون ، وهم عند أهل العلم من ذرية عبيد الله القداح ، وقال فيهم الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه الذي صنفه عليهم : ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض . وقد جزم شيخ الإسلام بكفر الإسماعيلية في محلات متعددة من مصنفاته ، وأنهم من القرامطة النصيرية ، وأنهم أشد كفرا من الغالية الذين يقولون بإلهية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ونبوته . وعبيد الله هو الملقب بالمهدي أول العبيدين ، والمحققون ينكرون دعواه في نسبته لآل البيت ويقولون : إن اسمه سعيد ولقبه عبيد الله ، وزوج أمه الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون القداح ، وسمي قداحا ; لأنه كان كحالا يقدح العين التي ينزل فيها الماء ، وسموا بالإسماعيلية نسبة إلى عبيد الله بن محمد بن إسماعيل [ ص: 392 ] بن جعفر . وهو أبو طاهر المنصور بن القائم بن المهدي صاحب إفريقية ، وهم أهل هذه البدعة ، ويقال إن جدهم كان يهوديا ، ولا مزيد على ما هم عليه من الكفر ، والإلحاد ، والزندقة ، والعناد ، وقد فشت نحلتهم وانتشرت بدعتهم ، وكثرت وعظم ضررها واستفحل كفرها وشررها ، ولا سيما في شوف ابن معن ونواحي كسروان ، وفي الكرمل ونواحي عكا وتلك البلدان ، والله المستعان .

( ( والزنادقة ) ) جمع زنديق ، قال في المطلع : الزنديق فارسي معرب وجمعه زنادقة ، قال سيبويه : الهاء في زنادقة بدل من ياء زناديق . قال الجوهري : وقد تزندق ، والاسم الزندقة . قال ثعلب : ليس زنديق ولا فرزين من كلام العرب ، إنما يقولون : زندق وزندقي إذا كان شديد البخل .

وفي القاموس : الزنديق بالكسر من الثنوية أو القائل بالنور والظلمة ، أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية ، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان ، أو معرب " زن دين " أي دين المرأة ، قال : والجمع زنادقة ، أو زناديق . انتهى .

قال الإمام الموفق في المغني : الزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر وكان يسمى منافقا ، ويسمى اليوم زنديقا . ومن ثم قال : ( ( وسائر ) ) أي بقية ( ( الطوائف ) ) جمع طائفة ، وهي القطعة أو الواحد فصاعدا ، أو إلى الألف ، أو أقلها رجلان ، أو رجل ، فيكون بمعنى النفس - كله في القاموس . وقال في النهاية : الطائفة الجماعة من الناس ، ويقع على الواحد كأنه أراد نفسا طائفة ، قال : وسئل إسحاق بن راهويه عنه فقال : الطائفة دون الألف ( ( المنافقة ) ) من النفاق وهو إبطان الكفر وإظهار الإيمان ، قال في النهاية : قد تكرر في الأحاديث ذكر النفاق وما تصرف منه اسما وفعلا ، قال : وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به - وهو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه - ، وإن كان أصله في اللغة معروفا ، يقال : نافق ينافق منافقة ونفاقا ، وهو مأخوذ من النافقاء إحدى جحرة اليربوع ، إذا طلب من واحد هرب من الآخر وخرج منه ، قيل : وهو من النفق وهو السرب الذي يستتر فيه ؛ لستره كفره . قال الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه التفرقة بين الإيمان والزندقة : فأما ما يتعلق بهذا الجنس - يعني التأويلات البعيدة بأصول العقائد المهمة - قال : وأصول الإيمان ثلاثة : الإيمان بالله وبرسوله وباليوم [ ص: 393 ] الآخر ، وما عداه فروع ، فيجب تكفير من يغير الظاهر بغير برهان قاطع ، كالذي ينكر العقوبات الحسية في الآخرة بظنون وأوهام واستبعادات من غير برهان قاطع ، فيجب تكفيره قطعا . ويجب تكفير من قال منهم أن الله - عز وجل - لا يعلم إلا نفسه ، أو لا يعلم إلا الكليات فأما الأمور الجزئية المتعلقة بالأشخاص فلا يعلمها ; لأن ذلك تكذيب للرسول - صلى الله عليه وسلم - قطعا ، وليس من قبيل الدرجات التي يسوغ فيها التأويل إذ أدلة القرآن والأخبار على تفهيم حشر الأجساد ، وتفهيم علم الله - تعالى - لكل ما يجري على الإنسان - مجاوزة حدا لا يقبل التأويل ، وهم معترفون بأن هذا ليس من التأويل ، قالوا : ولكن لما كان صلاح الخلق في أن يعتقدوا حشر الأجساد لقصور عقولهم عن فهم المعاد العقلي ، وكان صلاحهم في أن يعتقدوا أن الله عالم بما يجري عليهم ، ورقيب عليهم ليورث ذلك رغبة ورهبة في قلوبهم ، جاز للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يفهمهم ذلك ، قالوا : وليس بكاذب من أصلح غيره ، فقال ما فيه صلاحه ، وإن لم يكن كما قاله ، قال الغزالي : وهذا القول باطل قطعا ; لأنه تصريح بالتكذيب ، ويجب إجلال منصب النبوة عن هذه الرزيلة ، ففي الصدق وإصلاح الخلق به مندوحة عن الكذب ، قال : وهذه أول درجات الزندقة ، وهي رتبة بين الاعتزال وبين الزندقة المطلقة ، فإن المعتزلة تقرب مناهجهم من مناهج الفلاسفة إلا في هذا الأمر الواحد ، وهو أن المعتزلي لا يجوز الكذب على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمثل هذا ، بل يئول الظاهر مهما ظهر له بالبرهان خلافه ، والفلسفي لا يقتصر مجاوزته للظواهر على ما يقبل التأويل على قرب أو بعد ، قال : وأما الزندقة المطلقة هو أن ينكر أصل المعاد بنوع عقلي مع نفي الآلام ، واللذات الحسية ، وإثبات الصانع مع نفي علمه بتفاصيل الأمور ، فهي زندقة مقيدة بنوع اعتراف بصدق الأنبياء ، وظاهر ظني ، قال : والعلم عند الله - تعالى - أن هؤلاء المرادون بقوله - صلى الله عليه وسلم - : " ستفترق أمتي نيفا وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا الزنادقة ، وهي فرقة " قال : وهذا لفظ الحديث في بعض الروايات ، قال : وظاهر الحديث يدل على أنه أراد الزنادقة من أمته إذ قال : [ ص: 394 ] " ستفترق أمتي " ومن لم يعترف بنبوته فليس من أمته ، والذين ينكرون أصل المعاد وأصل الصانع ، فليسوا معترفين بنبوته ، إذ يزعمون أن الموت عدم محض ، وأن العالم لم يزل كذلك موجودا لنفسه من غير صانع ، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، وينسبون الأنبياء إلى التلبيس ، فلا يمكن نسبتهم إلى الأمة ، فإذا لا معنى لزندقة هذه الأمة إلا ما ذكرناه . انتهى .

أقول : أما هذا الحديث الذي ذكره ، فلا أصل له ، وتقدم الكلام عليه في صدر الكتاب ، وقول شيخ الإسلام ابن تيمية - طيب الله مثواه - بأنه موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث ، ولم يروه أحد من أهل الحديث المعروفين بهذا اللفظ ، بل الحديث الذي في كتب السنن ، والمسانيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه أنه قال : " ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، واحدة في الجنة واثنان وسبعون في النار " وروي عنه أنه قال : " هي الجماعة " وفي حديث آخر " هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي " وتقدم الحديث والكلام عليه مستوفى عند قوله :

بأن ذي الأمة سوف تفترق     بضعا وسبعين اعتقادا والمحق

الأبيات . قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وأيضا لفظ الزندقة لا يوجد في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - كما لا يوجد في القرآن ، وهو لفظ أعجمي معرب من كلام الفرس بعد ظهور الإسلام ، وقد تكلم به السلف والأئمة في توبة الزنديق ونحو ذلك ، قال : والزنديق الذي تكلم الفقهاء في قبول توبته في الظاهر - المراد به عندهم المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر ، وإن كان مع ذلك يصلي ويصوم ويحج ويقرأ القرآن ، وسواء كان في باطنه يهوديا ، أو نصرانيا ، أو مشركا ، أو وثنيا ، وسواء كان معطلا للصانع وللنبوة ، أو للنبوة فقط ، أو لنبوة نبينا - صلى الله عليه وسلم - فقط ، فهذا زنديق وهو منافق ، وما في القرآن والسنة من ذكر المنافقين يتناول هذا بإجماع المسلمين ، وقد قال - تعالى - : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما قال : ومثل هؤلاء المنافقين كفار في الباطن باتفاق المسلمين ، وإن كانوا مظهرين للشهادتين [ ص: 395 ] والإقرار بما جاء به الرسول ومؤدين للواجبات الظاهرة ، فإن ذلك لا ينفعهم في الآخرة إذا لم يكونوا مؤمنين بقلوبهم باتفاق المسلمين . قال شيخ الإسلام : وبهذا يظهر ضعف ما ذكره الغزالي من أنه لا معنى لزندقة هذه الأمة إلا ما ذكره من الزندقة المقيدة ، التي هي مذهب الفلاسفة المشائين ، فإن الزندقة في هذه الأمة وغيرها باتفاق أئمة المسلمين أعم من هذا كما ذكره الفقهاء كلهم في باب توبة الزنديق وسائر أحكامه ، وإن لم يكن لفظ الزنديق واردا في الكتاب والسنة ، بل معناه عندهم المنافق ، وجميع من بلغته دعوة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أصناف : مؤمن وكافر ومنافق ، والمنافق كافر في الباطن مسلم في الظاهر ، وقد أنزل الله - تعالى - وصف الأصناف الثلاثة في أول سورة البقرة ، فأنزل أربع آيات في المؤمنين ، وآيتين في الكافرين وبضع عشرة آية في المنافقين .

قال شيخ الإسلام - قدس الله روحه - : وعامة ما يوجد النفاق في أهل البدع ، فإن الذي ابتدع الرفض كان منافقا زنديقا ، وكذلك يقال عن الذي ابتدع التجهم ، وكذلك رءوس القرامطة وأمثالهم لا ريب أنهم من أعظم المنافقين ، وهؤلاء لا يتنازع المسلمون في كفرهم ; ولهذا قال :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث