الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في ذكر بعض ألفاظ ابن عربي التي تبين مذهبه

[ ص: 204 ] فصل

( في ذكر بعض ألفاظ ابن عربي التي تبين ما ذكرنا من مذهبه فإن أكثر الناس قد لا يفهمونه ) .

قال في فص يوسف - بعد أن جعل العالم بالنسبة إلى الله كظل الشخص وتناقض في التشبيه - : فكل ما تدركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات فمن حيث هوية الحق هو وجوده ومن حيث اختلاف الصور فيه هو أعيان الممكنات فكما لا يزول عنه باختلاف الصور اسم الظل : كذلك لا يزول عنه باختلاف الصور اسم العالم أو اسم سوى الحق فمن حيث أحدية كونه ظلا هو الحق لأنه الواحد الأحد ومن حيث كثرة الصور هو العالم فتفطن وتحقق ما أوضحناه لك .

وإذا كان الأمر على ما ذكرته لك : فالعالم متوهم ما له وجود حقيقي وهذا معنى الخيال أي خيل لك أنه أمر زائد قائم بنفسه خارج عن الوجود الحق وليس كذلك في نفس الأمر ; ألا تراه في الحس متصلا بالشخص الذي امتد عنه يستحيل عليه الانفكاك عن ذلك الاتصال ; لأنه يستحيل على الشيء الانفكاك عن ذاته ; فاعرف عينك ومن أنت وما هويتك ؟ وما نسبتك إلى الحق وبما أنت حق وبها أنت عالم وسوى وغير ؟ وما شاكل هذه الألفاظ . [ ص: 205 ] وقال في أول الفصوص - بعد ( فص حكمة إلهية في كلمة آدمية ( وفص حكمة نفسية في كلمة شيثية - وقد قسم العطاء بأمر الله وإنما يكون عن سؤال وعن غير سؤال وذكر القسم الذي لا يسأل لأن شيئا هو هبة الله إلى أن قال :

" ومن هؤلاء من يعلم أن علم الله به في جميع أحواله : هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها ويعلم أن الحق لا يعطيه إلا ما أعطاه عينه من العلم به . وهو ما كان عليه في حال ثبوته فيعلم علم الله به من أين حصل وما ثم صنف من أهل الله أعلى وأكشف من هذا الصنف فهم الواقفون على سر القدر وهم على قسمين :

منهم من يعلم ذلك مجملا ومنهم من يعلم ذلك مفصلا .

والذي يعلمه مفصلا : أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملا فإنه يعلم ما تعين في علم الله فيه إما بإعلام الله إياه بما أعطاه عينه من العلم به وإما بأن يكشف له عن عينه الثابتة وعن انتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى وهو أعلى فإنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به لأن الأخذ من معدن واحد إلا أنه من جهة العبد عناية من الله سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إذا أطلعه الله على ذلك - أي على أحوال عينه - فإنه ليس في وسع المخلوق إذا أطلعه الله على أحوال عينه الثابتة - التي تقع صورة الوجود عليها - أن يطلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نسب ذاتية لا صورة لها .

[ ص: 206 ] فبهذا القدر نقول : إن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في إفادتها العلم ومن هنا يقول الله : { حتى نعلم } وهي كلمة محققة المعنى ما هي كما يتوهم من ليس له هذا المشرب وغاية المنزه أن يجعل ذلك الحدوث في العلم للتعلق وهو أعلى وجه يكون للمتكلم يعقله في هذه المسألة لولا أنه أثبت العلم زائدا على الذات فجعل التعلق له لا للذات وبهذا انفصل عن المحقق من أهل الله صاحب الكشف والشهود .

ثم نرجع إلى الأعطيات فنقول : إن الأعطيات إما ذاتية أو أسمائية فأما المنح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبدا إلا عن تجل إلهي والتجلي من الذات لا يكون أبدا إلا لصورة استعداد العبد المتجلى له وغير ذلك لا يكون فإذن المتجلى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق وما رأى الحق ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه كالمرآة في الشاهد إذا رأيت الصور فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصور أو صورتك إلا فيها .

فأبرز الله ذلك مثالا نصبه لتجليه الذاتي ليعلم المتجلى له أنه ما رآه وما ثم مثال أقرب ولا أشبه بالرؤية والتجلي من هذا وأجهد في نفسك عند ما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرم المرآة لا تراه أبدا ألبتة حتى أن بعض من أدرك مثل هذا في صورة المرئي : ذهب إلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة هذا أعظم ما قدر عليه من العلم والأمر كما قلناه وذهبنا إليه .

وقد بينا هذا في الفتوحات المكية وإذا ذقت هذا : ذقت الغاية التي ليس [ ص: 207 ] فوقها غاية في حق المخلوق فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى أعلى من هذا الدرج فما هو ثم أصلا وما بعده إلا العدم المحض فهو مرآتك في رؤيتك نفسك وأنت مرآته في رؤيته أسماءه وظهور أحكامها وليست سوى عينه فاختلط الأمر وانبهم فمنا من جهل في علمه فقال : والعجز عن درك الإدراك إدراك ومنا من علم فلم يقل مثل هذا القول وهو أعلى القول بل أعطاه العلم السكوت ما أعطاه العجز وهذا هو أعلى عالم بالله .

وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم وخاتم الأولياء وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم حتى أن الرسل لا يرونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء فإن الرسالة والنبوة - أعني نبوة التشريع ورسالته - ينقطعان والولاية لا تنقطع أبدا .

فالمرسلون من حيث كونهم أولياء : لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء فكيف من دونهم من الأولياء ؟ وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه فإنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى .

وقد ظهر في ظاهر شرعنا : ما يؤيد ما ذهبنا إليه في فضل عمر ; في أسارى بدر بالحكم فيهم وفي تأبير النخل ; فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل [ ص: 208 ] شيء وفي كل مرتبة وإنما نظر الرجال إلى التقدم في مرتبة العلم بالله هنالك مطلبهم وأما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها فتحقق ما ذكرناه .

ولما مثل النبي صلى الله عليه وسلم النبوة بالحائط من اللبن وقد كمل سوى موضع لبنة فكان النبي صلى الله عليه وسلم تلك اللبنة غير أنه صلى الله عليه وسلم لا يراها - إلا كما قال - لبنة واحدة .

وأما خاتم الأولياء : فلا بد له من هذه الرؤية فيرى ما مثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرى في الحائط موضع لبنتين واللبن من ذهب وفضة فيرى اللبنتين اللتين ينقص الحائط عنهما ويكمل بهما لبنة ذهب ولبنة فضة فلا بد من أن يرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين فيكون خاتم الأولياء تينك اللبنتين فيكمل الحائط .

والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين : أنه تابع لشرع خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم في الظاهر وهو موضع اللبنة الفضة وهو ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام كما هو آخذ عن الله تعالى في السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه لأنه رأى الأمر على ما هو عليه فلا بد أن يراه هكذا وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن فإنه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول .

فإن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع فكل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين وإن تأخر وجود [ ص: 209 ] طينته فإنه بحقيقته موجود وهو قوله صلى الله عليه وسلم { كنت نبيا وآدم بين الماء والطين } وغيره من الأنبياء ما كان نبيا إلا حين بعث .

وكذلك خاتم الأولياء كان وليا وآدم بين الماء والطين وغيره من الأولياء ما كان وليا إلا بعد تحصيله شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية والاتصاف بها من أجل كون الله يسمى بالولي الحميد .

فخاتم الرسل من حيث ولايته نسبته مع الختم للولاية مثل نسبة الأنبياء والرسل معه فإنه الولي الرسول النبي .

وخاتم الأولياء : الولي الوارث الآخذ عن الأصل المشاهد للمراتب وهو حسنة من حسنات خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم مقدم الجماعة وسيد ولد آدم في فتح باب الشفاعة ; فعين بشفاعته حالا خاصا ما عمم ; وفي هذه الحال الخاص تقدم على الأسماء الإلهية ; فإن الرحمن ما شفع عند المنتقم في أهل البلاء إلا بعد شفاعة الشافعين ففاز محمد بالسيادة في هذا المقام الخاص .

فمن فهم المراتب والمقامات لم يعسر عليه قبول مثل هذا الكلام ا ه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث