الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تتمة كلام البصري وتعليق ابن تيمية على أن أصحاب المقالات وضعت كل معرفة غير موضعها

قال: (فأصحاب المقالات وضعت كل معرفة غير موضعها، [ ص: 524 ] وأجملت وجهلت الحكم، فالتبس عليها الحكم، واختلفوا بما يصاب؟: بالعقول، أو الاستدلال أو بالإمام؟ فقال بعضهم: أصل المعرفة معرفة الإمام. ومنهم من يقول: أهل البيت، يعني معرفتهم. والأئمة والعلماء والفقهاء أكثرهم يذهب إلى أن المعرفة معرفة العلم والفقه، من حلال وحرام، وفرائض ومندوبات، وأحكام وسنن.

وقال بعضهم: هي أن تعرف الله على يقين حتى تستقر معرفته في قلبك. واختلفوا: أي وقت تقع؟ فمنهم من يزعم: قبل البحث والنظر. ومنهم من قال: بعد البحث والنظر. وقوم يقولون: بعد البلوغ. ومنهم من يجعل حدها معرفة الأجسام والأعراض والجواهر، وكلام يكثر ذكره، ويتبين لك في نفس الكلام - إذا لزمت ما قررنا وشرحنا - أن أهل الكلام اعتقدوا ما يليق بالطبع فأثبتوه من طريق العبودية، فجعلوا معرفته بأسباب، وأهل الحق اعتقدوا ما يليق بالربوبية فأثبتوه من حيث الربوبية، والربوبية لا تدنسها العلل، ولا يقع عليها غوامض الفطر، فقرر الله الخلق ودعاهم إلى معرفته كفاحا، لئلا يشركوا في العلم بمعرفته ولا تكون لهم حجة.

قال سبحانه: أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل [سورة الأعراف:172-173] وذلك لموضع ما ألزمهم من الضرورة، ولو قررهم بمعرفته في حال العبودية - كما [ ص: 525 ] زعم الجاهلون - لخرجوا عن كونهم مكلفين لموضع النظر إليه، لكن تعرف إليهم من بعد ما ألزمهم من الضرورة بالوسائط والآيات فمن لزم نصح معبوده، وقام على مراعاة ما شرعه له، وتعرف به إليه، واتكل في المعرفة عليه، وأسند جميع أموره إليه، ذكره ما سلف من الحال، وكشف له عن العواقب والمآل، فزهد فيما يفنى، وزادت رغبته فيما يبقى، وصار للإله موحدا خائفا، ومصدقا راجيا، ومن قصر في رعايته، وخلط في سعايته، وسلك محجة التفريط، ولم ينصح فيما أعطي من ضرورته وعقله، جمت عيوبه، وكثرت ذنوبه، فملكه هواه، فأعماه وأراده، ولم يبلغ مناه، فأنساه ذلك ما كان في وقت التعريف، فحصل في جملة من خان وعاند، ولم يكن بخارج من كون ما كان يجهله، إذ قد ثبت العلم بذلك فلم يكن بخارج من النار، ولم يكن بخارج من ضرورته) .

قال: (وقد ثبت أهل الكلام معارف ضرورية، كمعرفة الإنسان بوجود نفسه، فالربوبية أولى بذلك. وكذلك الأعراض والأجسام والجواهر لأهل الكلام، والجمع والتفرقة، وما يعرف بالفكر ويشترط بالعلم، ومعرفة الشرع للفقهاء، والمعرفة التي هي [ ص: 526 ] الحجة والبرهان، والنور والبيان، للعلماء البلغاء الحكماء، ومعرفة الصفات - وهي العلم به - فهي للأولياء الذين يشاهدونه بالقلوب، ويكاشفهم بالغيوب، إذ يظهر لهم ما لا يظهر لغيرهم، وهم المكاشفون بنور اليقين، وعلم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين المخصوصون بالحقائق، والمبتدأون بالمكنون من ذخائر كراماته، لأهل صفوته وولايته، فلكل قوم مقام ولكل مقام علم، ولكل علم حكم. وكذلك المعارف على أحكام ومقامات، فلا يتعدى بمعرفة مقامها) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث