الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآية الثانية عشرة قوله تعالى تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن

[ ص: 204 ] الآية الثانية عشرة :

قوله تعالى : { تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا } .

فيها مسألتان

المسألة الأولى : اختلف الناس في معنى هذه الآية على أقوال كثيرة ، أمهاتها ستة :

الأول : دلالتها على وحدانية الله وقدرته وعلمه وإرادته وسائر صفاته العلا و أسمائه الحسنى . الثاني : تذكرتها للتسبيح بها . الثالث : كل شيء له يسبح : لمح البرق ، وصريف الرعد ، وصرير الباب ، وخرير الماء . الرابع : قال قتادة والحسن : كل ذي روح يسبح . الخامس : قال النخعي وغيره : الطعام يسبح . السادس : قال أكثر الناس ، من قرأ القرآن والحديث : كل شيء يسبح تسبيحا لا يعلمه الآدميون .

المسألة الثانية : اعلموا نور الله بصائركم بعرفانه أن هذه مسألة كثر الخوض فيها بين الناس . وقد أوضحناها في كتاب المشكلين على مقتضى أدلة المعقول والمنقول ; وترتيب القول هاهنا أنه ليس يستحيل أن يكون للجمادات فضلا عن البهائم تسبيح بكلام ، وإن لم نفقهه نحن عنها ; إذ ليس من شرط قيام الكلام بالمحل عند أهل السنة هيئة آدمية ، ولا وجود بلة ولا رطوبة ، وإنما تكفي له الجوهرية أو الجسمية خلافا للفلاسفة وإخوتهم من القدرية الذين يرون الهيئة الآدمية والبلة والرطوبة شرطا في الكلام ، فإذا ثبت هذا الأصل بأدلته التي تقررت في موضعه ، وبأن كل عاقل يعلم أن الكلام في [ ص: 205 ] الآدميين عرض يخلقه الله فيهم ، وليس يفتقر العرض إلا لوجود جوهر أو جسم يقوم به خاصة ، وما زاد على ذلك من الشروط فإنما هي عادة ، وللباري تعالى نقض العادة وخرقها بما شاء من قدرته لمن شاء من مخلوقاته وبريته .

ولهذا حن الجذع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسبح الحصى في كفه وكف أصحابه ، وكان بمكة حجر يسلم عليه قبل أن يبعث ، وكانت الصحابة تسمع تسبيح الطعام ببركته صلى الله عليه وسلم ولم يكن لذلك كله هيئة ، ولا وجدت له رطوبة ولا بلة ، وعلى إنكار هذه المعجزات وإبطال هذه الآيات حامت بما ابتدعته من المقالات ، فيعلم كل أحد أن دلالة المخلوقات على الخالق ظاهرة ، وتذكرته للمؤمنين من الآدميين والمسبحين من المخلوقين بينة . وهذا وإن سمي تسبيحا فذلك شائع لغة ، كما كانت العرب تعبر عن لسان الحال بلسان المقال ، فتقول : يشكو إلي جملي طول السرى . وكما قالت : قف بالديار فقل : يا ديار من غرس أشجارك ، وجنى ثمارك ، وأجرى أنهارك ، فإن لم تجبك جؤارا أجابتك اعتبارا ; وكما قال شاعرهم عن شجرة :

رب ركب قد أناخوا حولنا يشربون الخمر بالماء الزلال     سكت الدهر زمانا عنهم
وكذاك الدهر حالا بعد حال

وذلك ما لا يحصى كثرة ، وهو عندهم من البديع في الفصاحة ، والغاية في البلاغة .

وإن قلنا : إن تسبيح البرق لمعانه ، والرعد هديره ، والماء خريره ، والباب صريره ، فنوع من الدلالة ، ووجه من التسمية بالمجاز ظاهر .

وإن قلنا : إن كل ذي روح يسبح بنفسه وصورته ، فمثله في الدلالة وفي المجاز في التسمية .

وإن قلنا : إن الطعام يسبح التحق بالجماد في المعنى والعبارة عنه كما تقدم .

وإن قلنا : إن لكل شيء تسبيحا ربنا به أعلم ، لا نعلمه نحن ; أخذا بظاهر القرآن لم نكذب ، ولم نغلط ، ولا ركبنا محالا في العقل ; ونقول : إنها تسبح دلالة وتذكرة وهيئة ومقالة ، ونحن لا نفقه ذلك كله ، ولا نعلم ، إنما يعلمه من خلقه ، كما قال : { ألا يعلم من خلق } . وقد مهدنا القول في ذلك في شرح الحديث عند قوله : { شكت النار إلى [ ص: 206 ] ربها فقالت : يا رب ، أكل بعضي بعضا } هل هو بكلام ، أو على تقدير قوله : امتلأ الحوض وقال قطني والكل جاء من عندنا ، وربنا عليه قادر .

وأكمل التسبيح تسبيح الملائكة والآدميين والجن فإنه تسبيح مقطوع بأنه كلام معقول ، مفهوم للجميع بعبارة مخلصة ، وطاعة مسلمة ، وأجلها ما اقترن بالقول فيها فعل من ركوع أو سجود أو مجموعهما ، وهي صلاة الآدميين ; وذلك غاية التسبيح وبه سميت الصلاة سبحة .

فإن قيل : فما معنى قوله : { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } : قلنا : أما الكفار المنكرون للصانع فلا يفقهون من وجوه التسبيح في المخلوقات شيئا كالفلاسفة ، فإنهم جهلوا دلالتها على الصانع ، فهم لما وراء ذلك أجهل . وأما من عرف الدلالة وفاته ما وراءها فهو يفقه وجها ويخفى عليه آخر ، فتكون الآية على العموم في حق الفلاسفة ، وتكون على الخصوص فيما وراءهم ، ممن أدرك شيئا من تسبيحهم ; لذلك قال تعالى : { ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال } فجعل تصريف الظل ذلا ، وعبر عنه بالسجود ، وهي غاية المذلة لمن له بالحقيقة وحده العزة ، وهذا توقيف نفيس للمعرفة ; فإذا انتهيتم إليه عارفين بما تقدم من بياننا فقفوا عنده ، فليس وراءه مزيد ، إلا في تفصيل الإيمان والتوحيد ; وذلك مبين في كتب الأصول ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث