الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قوله عز وجل : ( فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين أم له البنات ولكم البنون أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أم عندهم الغيب فهم يكتبون أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم ) .

[ ص: 151 ] لما تقدم إقسام الله تعالى على وقوع العذاب ، وذكر أشياء من أحوال المعذبين والناجين ، أمره بالتذكير ، إنذارا للكافر ، وتبشيرا للمؤمن ، ودعاء إلى الله تعالى بنشر رسالته ، ثم نفى عنه ما كان الكفار ينسبونه إليه من الكهانة والجنون ، إذ كانا طريقين إلى الإخبار ببعض المغيبات ، وكان للجن بهما ملابسة للإنس . وممن كان ينسبه إلى الكهانة شيبة بن ربيعة ، وممن كان ينسبه إلى الجنون عقبة بن أبي معيط . وقال الزمخشري : ( فذكر ) فاثبت على تذكير الناس وموعظتهم ، ولا يثبطنك قولهم كاهن أو مجنون ، ولا تبال به ، فإنه قول باطل متناقض . فإن الكاهن يحتاج في كهانته إلى فطنة ودقة نظر ، والمجنون مغطى على عقله ; وما أنت بحمد الله تعالى وإنعامه عليك بصدق النبوة ورصافة العقل ، أحد هذين . انتهى . وقال الحوفي : ( بنعمة ربك ) متعلق بما دل عليه الكلام ، وهو اعتراض بين اسم ما وخبرها ، والتقدير : ما أنت في حال إذكارك بنعمة ربك بكاهن . قال أبو البقاء : الباء في موضع الحال ، والعامل في بكاهن أو مجنون ، والتقدير : ما أنت كاهنا ولا مجنونا ملتبسا بنعمة ربك . انتهى . وتكون حالا لازمة لا منتقلة ، لأنه عليه الصلاة والسلام ما زال ملتبسا بنعمة ربه . وقيل : ( بنعمة ربك ) مقسم بها ، كأنه قيل : ونعمة ربك ما أنت كاهن ولا مجنون ، فتوسط المقسم به بين الاسم والخبر ، كما تقول : ما زيد والله بقائم . ولما نفى عنه الكهانة والجنون اللذين كان بعض الكفار ينسبونهما إليه ، ذكر نوعا آخر مما كانوا يقولونه .

روي أن قريشا اجتمعت في دار الندوة ، وكثرت آراؤهم فيه ، صلى الله عليه وسلم ، حتى قال قائل منهم ، وهم بنو عبد الدار ، قاله الضحاك : تربصوا به ريب المنون ، فإنه شاعر سيهلك ، كما هلك زهير والنابغة والأعشى ، فافترقوا على هذه المقالة ، فنزلت الآية في ذلك . وقول من قال ذلك هو من نقص الفطرة بحيث لا يدرك الشعر ، وهو الكلام الموزون على طريقة معروفة من النثر الذي ليس هو على ذلك المضمار ، ولا شك أن بعضهم كان يدرك ذلك ، إذ كان فيهم شعراء ، ولكنهم تمالئوا مع أولئك الناقصي الفطرة على قولهم : هو شاعر ، جحدا لآيات الله بعد استيقانها . وقرأ زيد بن علي : يتربص بالياء مبنيا للمفعول به ، ( ريب ) : مرفوع ، وريب المنون : حوادث الدهر ، فإنه لا يدوم على حال ، قال الشاعر :


تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوما أو يموت حليلها



وقال الهندي :


أمن المنون وريبها تتوجع     والدهر ليس بمعتب من يجزع



( قل تربصوا ) : هو أمر تهديد من المتربصين هلاككم ، كما تتربصون هلاكي . ( أم تأمرهم أحلامهم ) : عقولهم بهذا ، أي بقولهم كاهن وشاعر ومجنون ، وهو قول متناقض ، وكانت قريش تدعى أهل الأحلام والنهى . وقيل لعمرو بن العاص : ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله تعالى بالعقل ؟ فقال : تلك عقول كادها الله ، أي لم يصحبها التوفيق . ( أم تأمرهم ) ، قيل : أم بمعنى الهمزة ، أي أتأمرهم ؟ وقدرها مجاهد بـ بل ، والصحيح أنها تتقدر بـ بل والهمزة .

( أم هم قوم طاغون ) : أي مجاوزون الحد في العناد مع ظهور الحق . وقرأ مجاهد : بل هم ، مكان : ( أم هم ) ، وكون الأحلام آمرة مجازا لما أدت إلى ذلك جعلت آمرة كقوله : ( أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ) . وحكى الثعلبي عن الخليل أنه قال : كل ما في [ ص: 152 ] سورة والطور من أم فاستفهام وليس بعطف . تقوله : اختلقه من قبل نفسه ، كما قال : ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل ) . وقال ابن عطية : تقوله معناه : قال عن الغير أنه قاله ، فهو عبارة عن كذب مخصوص . انتهى . ( بل لا يؤمنون ) : أي لكفرهم وعنادهم ، ثم عجزهم بقوله تعالى : ( فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ) : أي مماثل للقرآن في نظمه ورصفه من البلاغة ، وصحة المعاني والإخبار بقصص الأمم السالفة والمغيبات ، والحكم إن كانوا صادقين في أنه تقوله ، فليقولوا هم مثله ، إذ هو واحد منهم ، فإن كانوا صادقين فليكونوا مثله في التقول . فقرأ الجحدري وأبو السمال : ( بحديث مثله ) ، على الإضافة : أي بحديث رجل مثل الرسول في كونه أميا لم يصحب أهل العلم ولا رحل عن بلده ، أو مثله في كونه واحدا منهم ، فلا يجوز أن يكون مثله في العرب فصاحة ، فليأت بمثل ما أتى به ، ولن يقدر على ذلك أبدا . ( أم خلقوا من غير شيء ) : أي من غير شيء حي كالجماد ، فهم لا يؤمرون ولا ينهون ، كما هي الجمادات عليه ، قاله الطبري . وقيل : ( من غير شيء ) : أي من غير علة ولا لغاية عقاب وثواب ، فهم لذلك لا يسمعون ولا يتشرعون ، وهذا كما تقول : فعلت كذا وكذا من غير علة : أي لغير علة ، فمن للسبب ، وفي القول الأول لابتداء الغاية . وقال الزمخشري : ( أم خلقوا ) : أم أحدثوا وقدروا التقدير الذي عليه فطرتهم ; ( من غير شيء ) : من غير مقدر ، أم هم الذين خلقوا أنفسهم حيث لا يعبدون الخالق ؟ ( بل لا يوقنون ) : أي إذا سئلوا : من خلقكم وخلق السماوات والأرض ؟ قالوا : الله ، وهم شاكون فيما يقولون لا يوقنون . أم خلقوا من غير رب ولا خالق ؟ أي أم أحدثوا وبرزوا للوجود من غير إله يبرزهم وينشئهم ؟ ( أم هم الخالقون ) لأنفسهم ، فلا يعبدون الله ، ولا يأتمرون بأوامره ، ولا ينتهون عن مناهيه . والقسمان باطلان ، وهم يعترفون بذلك ، فدل على بطلانهم . وقال ابن عطية : ثم وقفهم على جهة التوبيخ على أنفسهم ، أهم الذين خلقوا الأشياء فهم لذلك يتكبرون ؟ ثم خصص من تلك الأشياء السماوات والأرض لعظمها وشرفها في المخلوقات ، ثم حكم عليهم بأنهم لا يوقنون ولا ينظرون نظرا يؤديهم إلى اليقين . ( أم عندهم خزائن ربك ) ، قال الزمخشري : خزائن الرزق ، حتى يرزقوا النبوة من شاءوا ، أو : أعندهم خزائن علمه حتى يختاروا لها من اختياره حكمة ومصلحة ؟ ( أم هم المسيطرون ) : الأرباب الغالبون حتى يدبروا أمر الربوبية ويبنوا الأمور على إرادتهم . وقال ابن عطية : أم عندهم الاستغناء عن الله تعالى في جميع الأمور ، لأن المال والصحة والقوة وغير ذلك من الأشياء كلها من خزائن الله تعالى . وقال الزهراوي : وقيل يريد بالخزائن العلم ، وهذا قول حسن إذا تؤمل وبسط . وقال الرماني : خزائنه تعالى : مقدوراته . انتهى . والمسيطر ، قال ابن عباس : المسلط القاهر . وقرأ الجمهور : المصيطرون بالصاد ; وهشام وقنبل وحفص : بخلاف عنه بالسين ، وهو الأصل ; ومن أبدلها صادا ، فلأجل حرف الاستعلاء وهو الطاء ، وأشم خلق عن حمزة وخلاد عنه بخلاف عنه الزاي . ( أم لهم سلم ) منصوب إلى السماء ، ( يستمعون فيه ) : أي عليه أو منه ، إذ حروف الجر قد يسد بعضها مسد بعض ، وقدره الزمخشري : صاعدين فيه ، ومفعول يستمعون محذوف تقديره : الخبر بصحة ما يدعونه ، وقدره الزمخشري : ما يوحى إلى الملائكة من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن من تقدم هلاكه على هلاكهم وظفرهم في العاقبة دونه كما يزعمون . ( بسلطان مبين ) : أي بحجة واضحة بصدق استماعهم مستمعهم ، ( أم تسألهم أجرا ) على الإيمان بالله وتوحيده واتباع شرعه ، ( فهم ) من ذلك المغرم الثقيل اللازم ( مثقلون ) ، فاقتضى زهدهم في اتباعك . ( أم عندهم الغيب ) : أي اللوح المحفوظ ، ( فهم يكتبون ) : أي يثبتون ذلك للناس شرعا ، وذلك عبادة الأوثان وتسييب السوائب وغير ذلك من سيرهم . وقيل : المعنى فهم يعلمون متى يموت [ ص: 153 ] محمد صلى الله عليه وسلم الذي يتربصون به ، ويكتبون بمعنى : يحكمون . وقال ابن عباس : يعني أم عندهم اللوح المحفوظ ، فهم يكتبون ما فيه ويخبرون . ( أم يريدون كيدا ) : أي بك وبشرعك ، وهو كيدهم به في دار الندوة ، ( فالذين كفروا ) : أي فهم ، وأبرز الظاهر تنبيها على العلة ، أو الذين كفروا عام فيندرجون فيه ، ( هم المكيدون ) : أي الذين يعود عليهم وبال كيدهم ، ويحيق بهم مكرهم ، وذلك أنهم قتلوا يوم بدر ، وسمى غلبتهم كيدا ، إذ كانت عقوبة الكيد . ( أم لهم إله غير الله ) يعصمهم ويدفع عنهم في صدور إهلاكهم ، ثم نزه تعالى نفسه ، ( عما يشركون ) به من الأصنام والأوثان . ( وإن يروا كسفا من السماء ) : كانت قريش قد اقترحت على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فيما اقترحت من قولهم : ( أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ) ، فأخبر تعالى أنهم لو رأوا ذلك عيانا ، حسب اقتراحهم ، لبلغ بهم عتوهم وجهلهم أن يغالطوا أنفسهم فيما عاينوه ، وقالوا : هو سحاب مركوم ، تراكم بعضه على بعض ممطرنا ، وليس بكسف ساقط للعذاب . ( فذرهم ) : أمر موادعة منسوخ بآية السيف . وقرأ الجمهور : ( حتى يلاقوا ) ; وأبو حيوة : حتى يلقوا ، مضارع لقي ، ( يومهم ) : أي يوم موتهم واحدا واحدا ، والصعق : العذاب ، أو يوم بدر ، لأنهم عذبوا فيه ، أو يوم القيامة ، أقوال ، ثالثها قول الجمهور ، لأن صعقته تعم جميع الخلائق . وقرأ الجمهور : يصعقون ، بفتح الياء . وقرأ عاصم وابن عامر وزيد بن علي وأهل مكة : في قول شبل بن عبادة ، وفتحها أهل مكة ، كالجمهور في قول إسماعيل . وقرأ السلمي : بضم الياء وكسر العين ، من أصعق رباعيا . ( وإن للذين ظلموا ) : أي لهؤلاء الظلمة ، ( عذابا دون ذلك ) : أي دون يوم القيامة وقبله ، وهو يوم بدر والفتح ، قاله ابن عباس وغيره . وقال البراء بن عازب وابن عباس أيضا : هو عذاب القبر . وقال الحسن وابن زيد : مصائبهم في الدنيا . وقال مجاهد : هو الجوع والقحط سبع سنين . ( فإنك بأعيننا ) : عبارة عن الحفظ والكلاءة ، وجمع لأنه أضيف إلى ضمير الجماعة ، وحين كان الضمير مفردا ، أفرد العين ، قال تعالى : ( ولتصنع على عيني ) . وقرأ أبو السمال : بأعينا ، بنون واحدة مشددة . ( وسبح بحمد ربك ) ، قال أبو الأحوص عوف بن مالك : هو التسبيح المعروف ، وهو قول سبحان الله عند كل قيام . وقال عطاء : حين تقوم من كل مجلس ، وهو قول ابن جبير ومجاهد . وقال ابن عباس : حين تقوم من منامك . وقيل : هو صلاة التطوع . وقيل : الفريضة . وقال الضحاك : حين تقوم إلى الصلاة تقول : سبحانك اللهم وبحمدك ، تبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك . وقال زيد بن أسلم : حين تقوم من القائلة والتسبيح ، إذ ذاك هو صلاة الظهر . وقال ابن السائب : اذكر الله بلسانك حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل في الصلاة . ( ومن الليل فسبحه ) : قبل صلاة المغرب والعشاء . ( وإدبار النجوم ) : صلاة الصبح . وعن عمرو وعلي وأبي هريرة والحسن : إنها النوافل ، ( وإدبار النجوم ) : ركعتا الفجر . وقرأ سالم بن أبي الجعد والمنهال بن عمرو ويعقوب : وأدبار ، بفتح الهمزة ، بمعنى : وأعقاب النجوم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث