الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

يلزمه رد المغصوب إن كان باقيا

جزء التالي صفحة
السابق

فصل ويلزمه رد المغصوب إن قدر على رده ، وإن غرم عليه أضعاف قيمته ، وإن خلطه بما يتميز منه لزمه تخليصه ورده ، وإن بنى عليه لزمه رده إلا أن يكون قد بلي ، وإن سمر بالمسامير بابا لزمه قلعها وردها ، وإن زرع الأرض وردها بعد أخذ الزرع فعليه أجرتها ، وإن أدركها ربها والزرع قائم خير بين تركه إلى الحصاد بأجرته وبين أخذه بعوضه ، وهل ذلك قيمته أو نفقته ؛ على وجهين ، ويحتمل أن يكون الزرع للغاصب وعليه الأجرة ، وإن غرسها أو بنى فيها أخذ بقلع غرسه وبنائه ، وتسوية الأرض ، وأرش نقصها ، وأجرتها .

التالي السابق


فصل

( ويلزمه رد المغصوب ) إن كان باقيا لما روى عبد الله بن السائب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعبا ولا جادا ، ومن أخذ عصا أخيه فليردها رواه أبو داود ، وقد أجمع العلماء على وجوب رده إن كان بحاله لم يتغير ولم يشتغل بغيره ، ولأنه أزال يد المالك عن ملكه بغير حق فلزمته إعادته ( إن قدر على رده ، وإن غرم عليه أضعاف قيمته ) لأنه هو المتعدي فلم ينظر إلى مصلحته ، فكان أولى بالغرامة ، وظاهره ولو بعدت المسافة ; لأنه جنى بتعديه ، فكان ضرر ذلك عليه ، فإن قال الغاصب : خذ مني أجر رده ، وتسلمه مني هاهنا ، أو بذل له أكثر من قيمته ولا يسترده لم يلزم المالك قبوله ; لأنها معاوضة فلم يجبر عليها كالبيع ، وإن قال المالك : دعه لي في مكانه الذي نقلته إليه ، لم يملك الغاصب رده ، وإن قال : رده إلى بعض الطريق ، لزمه ، وإن قال : دعه في مكانه وأعطني أجرة رده ، أو طلب منه حمله إلى مكان آخر في غير طريق الرد لم يلزم الغاصب ولو كان أقرب ; لأنه معاوضة ، ومهما اتفقا عليه من ذلك جاز ; لأن الحق لهما ( وإن خلطه بما يتميز منه ) كحنطة بشعير ، وتمر بزبيب ( لزمه تخليصه ) أي تخليص المتميز [ ص: 155 ] ( ورده ) لأنه أمكنه رد مال غيره ، فلزمه كما لو لم يخلطه بغيره ، وأجرة ذلك عليه كأجر رده ، فإن أمكن تمييز بعضه وجب تمييز ما أمكن ( وإن بنى عليه لزمه رده ) يعني إذا غصب شيئا ، فشغله بملكه كحجر أو خشبة بنى عليها ، أو خيط خاط به ثوبا ، لزمه رده وإن انتقض البناء ، وتفصل الثوب ; لأنه مغصوب أمكن رده فوجب كما لو لم يبن عليه ( إلا أن يكون قد بلي ) لأنه صار هالكا فوجب قيمته كما لو أتلفه ( وإن سمر بالمسامير بابا لزمه قلعها وردها ) للخبر ، ولا أثر لضرره ; لأنه حصل بتعديه .

مسائل : إذا غصب فصيلا ونحوه ، فأدخله داره ، وتعذر خروجه نقض بابه مجانا ، فإن دخل الفصيل بنفسه ، أو أدخله ربه دارا غصبها غرم مالكه أرش نقص البناء وإصلاحه ، وإن بذل له ربه عوضه لزمه قبوله ، وقيل : لا ، وقيل : يذبح إن أدخله ربه ، ولو عمل فيها غاصبها تابوتا ، ولم يخرج ، فك التابوت ولم ينقض البناء ، وإن سقط في محبرته مال بتفريطه أخرج ، فإن لم يمكن كسرت له مجانا ، وإن لم يفرط ، وضمن رب المال كسرها ، فإن بذل ربها بدل ماله وجب قبوله في الأصح .

فرع : إذا باع داره وله فيها أسرة ، وتعذر الإخراج والتفكيك غرم أرش نقص البناء ، وقيل : كما لو قلع أحجارا له فيها مدفونة ، وفصل في " الشرح " .

( وإن زرع الأرض وردها بعد أخذ الزرع ) فهو للغاصب بغير خلاف نعلمه ; لأنه نماء ماله ( فعليه أجرتها ) أي أجرة مثلها إلى وقت التسليم ; لأنه استوفى نفعها فوجب عليه عوضه كما لو استوفاه بالإجارة ، ولأن المنفعة [ ص: 156 ] مال فوجب أن يضمن كالعين ، وعليه ضمان النقص ، ولو لم يزرعها فنقصت لترك الزراعة كأرض البصرة ضمن ذلك ، وروى عنه حرب أن له تملكه أيضا بناء على أن الزرع ينبت على ملك مالك الأرض ابتداء ، وقرر بعض أصحابنا موافقته للقياس بأن المتولد بين أبوين مملوكين من الآدميين يكون مملوكا لمالك الأم بالاتفاق مع كونه مخلوقا من مائهما ، وبطون الأمهات بمنزلة الأرض ، وماء الفحول بمنزلة البذر ، والمذهب هو الأول ( وإن أدركها ربها والزرع قائم ) فيها ( خير بين تركه إلى الحصاد بأجرته ) أي بأجرة مثله ، وأرش نقص الأرض ( وبين أخذه بعوضه ) هذا قول القاضي ، وعامة أصحابه ، والشيخين .

وجزم به في " الوجيز " ; لأن كل واحد منهما يحصل به غرضه ، فملك الخيرة بينهما تحصيلا لغرضه ، وظاهره أنه لا يملك إجبار الغاصب على قلعه ، خلافا لأكثرهم لقوله - عليه السلام : ليس لعرق ظالم حق ، ولأنه زرع في أرض غيره ظلما أشبه الغرس ، لنا ما روى رافع بن خديج أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي وحسنه ، ولأنه أمكن رد المغصوب إلى مالكه من غير إتلاف مال الغاصب على قرب من الزمان فلم يجز إتلافه ، كما لو غصب سفينة فحمل فيها متاعه ، فأدخلها لجة البحر ، لا يجبر على إلقائه ، فكذا هنا صيانة للمال عن التلف ، وفارق الشجر لطول مدته ، وحديثهم محمول عليه ، وحديثنا على الزرع ، وبه يجمع بينهما ، ولأنه زرع حصل في ملك غيره ، فلم يجبر على قلعه على وجه يضر به كما لو كانت الأرض مستعارة ، أو مشفوعة ( وهل ذلك قيمته أو نفقته ؛ على وجهين ) أحدهما أن ذلك قيمته ، صححه القاضي في تعليقه ; لأنه [ ص: 157 ] بدل عن الزرع ، فيقدر بقيمته كما لو أتلفه ، وعليه يجب على الغاصب أجر الأرض إلى حين تسليم ذلك ، وذكر أبو يعلى الصغير : لا ، نقله إبراهيم بن الحارث ، والثاني : هي نفقته ، فعلى هذا يرد على الغاصب ما أنفق من البذر ، ومؤنة لواحقه من الحرث ، والسقي ، ونحوهما ، وهذا هو المذهب ، قال ابن الزاغوني : أصلهما هل يضمن ولد المغرور بمثله أو قيمته ؛ وقال أبو الحسين : فيه ثالثة خرجها أبو القاسم أن صاحب الأرض يخير إن شاء دفع القيمة ، وإن شاء النفقة ، نقل مهنا : ويزكيه إن أخذه قبل وجوبها ، وإلا فوجهان ( ويحتمل أن يكون الزرع للغاصب ) لأنه نماء ملكه ( وعليه الأجرة ) أي أجرة المثل ، وذكر بعض أصحابنا أن أحمد نص على مثل ذلك ، وقيل : له قلعه إن ضمنه ، وقال الشيخ تقي الدين فيمن زرع بلا إذن شريكه ، والعادة بأن من زرع فيها له نصيب معلوم ولربها نصيب ، قسم ما زرعه في نصيب شريكه كذلك .

تنبيه : وهل الرطبة وغيرها كزرع أو غرس ؛ فيه احتمالان ، فلو غصب أرضا فغرسها فأثمرت ، فسيأتي ( وإن غرسها أو بنى فيها أخذ بقلع غرسه وبنائه ) أي إذا طالب مالك الأرض لزم الغاصب ذلك بغير خلاف نعلمه للأثر الحسن ، ذكره في " الشرح " ، وفي " الرعاية " أنه الأصح ، وفي رواية أبي داود ، والدارقطني من حديث عروة بن الزبير قال : ولقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر ، فقضى لصاحب الأرض بأرضه ، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها ، فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفئوس ، وإنها لنخل عم ، قال [ ص: 158 ] أحمد العم الطوال ، ولأنه شغل ملك غيره بملكه الذي لا حرمة له في نفسه ، فلزمه تفريغه كما لو جعل فيها قماشا ، وظاهر كلامهم لا فرق في ذلك بين الشريك وغيره ، وصرح الحارثي ، قال جعفر بن محمد : سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل غرس نخلا بينه وبين قوم مشاعا ، قال : إن كان بغير إذنهم قلع نخله ( وتسوية الأرض ، وأرش نقصها ) لأنه ضرر حصل بفعله فلزمه إزالته كغيره ( وأجرتها ) أي : أجرة مثلها إلى وقت التسليم ، وإن بذل ربها قيمة الغراس والبناء ليملكه لم يلزم الغاصب قبوله ، وله قلعهما ، ويضمن الأرش والأجرة ، وإن وهبهما لمالك الأرض وفي الإزالة غرض صحيح لم يجبر ، وإلا فوجهان . وشمل ذلك ما إذا غرسها بغراس مالكها ، وحكم البناء كالغرس إلا أنه يتخرج إذا بذل مالك الأرض القيمة لصاحب البناء فإنه يجبر على قبولها إذا لم يكن في النقص غرض صحيح ، لأن النقص سفه ، والأول أصح .



فرع : إذا غصبها ، فغرسها ، فأثمرت ، فأدركها ربها بعد أخذ الغاصب ، فهي له ، وكذا لو أدركها والثمرة عليها ; لأنها ثمرة شجره فكانت له كأغصانها ، وقال القاضي : هي لمالك الأرض ، قال أحمد في رواية علي بن سعيد : إذا غصب أرضا ، فغرسها ، فالنماء لمالك الأرض ، فعلى هذا عليه من النفقة ما أنفقه الغارس ، فلو غصب شجرا ، فأثمر ، فالثمر لمالك الشجر بغير خلاف نعلمه ، ذكره في " الشرح " .



فرع : إذا أخذ تراب الأرض ، فضربه لبنا رده ولا شيء له إلا أن يجعل فيه تبنا فله أن يحله ويأخذ تبنه ، فإن كان لا يحصل منه شيء فوجهان ، وإن طالبه المالك بحله لزمه إذا كان فيه غرض صحيح ، وإلا فوجهان ، وإن [ ص: 159 ] جعله آخرا لزمه رده ، ولا أجرة لعلمه ، وليس له كسره ، ولا للمالك إجباره عليه ; لأنه سفه ، وإتلاف للمال ، فلو غصب أرضا وكشط ترابها لزمه رده وفرشه كما كان ، وإن لم يكن فيه غرض فهل يجبر على فرشه ؛ يحتمل وجهين .



فرع : القابض بعقد فاسد من المالك إذا غرس ، أو بنى ، فللمالك تملكه بالقيمة كغرس المستعير ، ولا يقلع إلا مضمونا لاستناده إلى الإذن ، ذكره القاضي ، وابن عقيل .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث