الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأدلة على المعاد في كتاب الله

فبين سبحانه هذا كله بمثل قوله أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا [الإسراء: 99]، وقوله: أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم [يس: 81] ، قوله: أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير [الأحقاف: 33] ، وقوله: لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس [غافر: 57] فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم، والقدرة عليه أبلغ، وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك.

وكذلك استدلاله على ذلك بالنشأة الأولى في مثل قوله: وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه [الروم: 27]، ولهذا قال بعد ذلك [ ص: 33 ] وله المثل الأعلى في السماوات والأرض [الروم: 27] ، وقال: يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم [الحج: 5] .

وكذلك ما ذكر في قوله: وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة الآيات [يس: 78 - 82] فإن قول الله تعالى: من يحيي العظام وهي رميم قياس حذفت إحدى مقدمتيه لظهورها، والأخرى سالبة كلية قرن معها دليلها، وهو المثل المضروب الذي ذكره بقوله: وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ، وهذا استفهام إنكار متضمن للنفي، أي: لا أحد يحيي العظام وهي رميم، فإن كونها رميما يمنع عنده إحياءها لمصيرها إلى حال اليبس والبرودة المنافية للحياة التي مبناها على الحرارة والرطوبة، ولتفرق أجزائها واختلاطها بغيرها، ولنحو ذلك من الشبهات.

والتقدير: هذه العظام رميم، ولا أحد يحيي العظام وهي رميم، فلا أحد يحييها.

ولكن هذه السالبة كاذبة، ومضمونها امتناع الإحياء، فبين سبحانه إمكانه من وجوه ببيان إمكان ما هو أبعد من ذلك وقدرته عليه فقال: يحييها الذي أنشأها أول مرة ، وقد أنشأها من التراب، ثم قال: وهو بكل خلق عليم [يس: 79] ليبين علمه بما تفرق من الأجزاء أو استحال، ثم قال: الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا [يس: 80] فبين أنه أخرج النار الحارة [ ص: 34 ] اليابسة من البارد الرطب، وذلك أبلغ في المنافاة، لأن اجتماع الحرارة والرطوبة أيسر من اجتماع الحرارة واليبوسة، إذ الرطوبة تقبل من الانفعال ما لا تقبله اليبوسة، ولهذا كان تسخين الهواء والماء أيسر من تسخين التراب، وإن كانت النار نفسها حارة يابسة، فإنها جسم بسيط، واليبس ضد الرطوبة، والرطوبة يعنى بها البلة كرطوبة الماء، ويعنى بها سرعة الانفعال، فيدخل في ذلك الهواء، فكذلك يعنى باليبس عدم البلة، فتكون النار يابسة، ويراد باليبس بطء الشكل والانفعال، فيكون التراب يابسا دون النار، فالتراب فيه اليبس بالمعنيين، بخلاف النار، لكن الحيوان الذي فيه حرارة ورطوبة يكون من العناصر الثلاثة: التراب، والماء، والهواء.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث