الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير الفقهاء

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 365 ] تفسير الفقهاء

كان الصحابة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفهمون القرآن بسليقتهم العربية ، وإن التبس عليهم فهم آية رجعوا إلى رسول الله فيبينها لهم .

ولما توفي -صلى الله عليه وسلم- وتولى فقهاء الصحابة توجيه الأمة بقيادة الخلفاء الراشدين . وجدت قضايا لم تسبق لهم كان القرآن ملاذا لهم لاستنباط الأحكام الشرعية للقضايا الجديدة . فيجمعون على رأي فيها ، وقلما يختلفون عند التعارض ، كاختلافهم في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها . أهي وضع الحمل ، أم مضي أربعة أشهر وعشر ، أم أبعد الأجلين منهما ؟ حيث قال الله تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ، وقال : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ، فكانت هذه الأحوال على قلتها بداية الخلاف الفقهي في فهم آيات الأحكام .

فلما كان عهد الأئمة الفقهاء الأربعة ، واتخذ كل إمام أصولا لاستنباط الأحكام في مذهبه . وكثرت الأحداث وتشعبت المسائل ازدادت وجوه الاختلاف في فهم بعض الآيات لتفاوت وجوه الدلالة فيها دون تعصب لمذهب بل استمساكا بما يرى الفقيه أنه الحق ، ولا يجد غضاضة إذا عرف الحق لدى غيره أن يرجع إليه .

ظل الأمر هكذا حتى جاء عصر التقليد والتعصب المذهبي ، فقصر أتباع الأئمة جهودهم على توضيح مذهبهم والانتصار له ، ولو كان ذلك بحمل الآيات القرآنية على المعاني المرجوحة البعيدة ، ونشأ من هذا تفسير فقهي خاص لآيات الأحكام في القرآن ، يشتد التعصب المذهبي فيه أحيانا ، ويخف أخرى .

وتتابع هذا المنهج إلى العصر الحديث ، وهذا هو ما نسميه بالتفسير الفقهي ، ومن أشهر كتبه :

1- أحكام القرآن للجصاص - مطبوع .

2- أحكام القرآن للكيا الهراس - مطبوع .

[ ص: 366 ] 3- أحكام القرآن لابن العربي - مطبوع .

4- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - مطبوع .

5- الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي - مخطوط .

6- التفسيرات الأحمدية في بيان الآيات الشرعية لملا جيون - مطبوع بالهند .

7- تفسير آيات الأحكام للشيخ محمد السايس - مطبوع .

8- تفسير آيات الأحكام للشيخ مناع القطان - مطبوع .

9- أضواء البيان للشيخ محمد الشنقيطي - مطبوع .

وسنعرف ببعض منها :

1- أحكام القرآن - للجصاص :

أبو بكر أحمد بن علي الرازي المشهور بالجصاص -نسبة إلى العمل بالجص- من أئمة الفقه الحنفي في القرن الرابع الهجري . ويعتبر كتابه " أحكام القرآن " من أهم كتب التفسير الفقهي ، ولا سيما عند الأحناف .

وقد اقتصر المؤلف في هذا الكتاب على تفسير الآيات التي تتعلق بالأحكام الفرعية ، فيورد الآية أو الآيات ، ثم يتولى شرحها بشيء من المأثور في معناها ، ويستطرد في ذكر المسائل الفقهية التي تتصل بها من قريب أو بعيد ، ويسوق الخلافات المذهبية ، حيث يشعر القارئ أنه يقرأ في كتاب من كتب الفقه ، لا في كتاب من كتب التفسير .

والجصاص يتعصب لمذهب الحنفية تعصبا ممقوتا ، يحمله على التعسف في تفسير الآيات وتأويلها انتصارا لمذهبه ، ويشتد في الرد على المخالفين متعنتا في التأويل بصورة تنفر القارئ أحيانا من متابعة القراءة ، لعباراته اللاذعة في مناقشة المذاهب الأخرى .

ويبدو من تفسير الجصاص كذلك أنه ينحو منحى المعتزلة في العقائد . فيقول مثلا [ ص: 367 ] في قوله تعالى : لا تدركه الأبصار : معناه لا تراه الأبصار ، وهذا تمدح بنفي رؤية الأبصار ، كقوله تعالى : لا تأخذه سنة ولا نوم ، وما تمدح الله بنفيه عن نفسه فإن إثبات ضده ذم ونقص ، فغير جائز إثبات نقيضه بحال . . فلما تمدح بنفي رؤية البصر عنه لم يجز إثبات ضده ونقيضه بحال . إذ كان فيه إثبات صفة نقص ، ولا يجوز أن يكون مخصوصا بقوله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ; لأن النظر محتمل لمعان : منها انتظار الثواب ، كما روي عن جماعة من السلف ، فلما كان ذلك محتملا للتأويل لم يجز الاعتراض به على ما لا مساغ للتأويل فيه ، والأخبار المروية في الرؤية إنما المراد بها العلم لو صحت ، وهو علم الضرورة الذي لا تشوبه شبهة ، ولا تعرض فيه الشكوك ; لأن الرؤية بمعنى العلم مشهورة في اللغة “ .

والكتاب مطبوع في ثلاث مجلدات ، وهو متداول بين أهل العلم ، ومن مراجع الفقه الحنفي . "

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث