الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثاني والثلاثون لا ضرر ولا ضرار

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 207 ] الحديث الثاني والثلاثون .

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا ضرر ولا ضرار حديث حسن ، رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندا ، ورواه مالك في " الموطإ " عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، فأسقط أبا سعيد ، وله طرق يقوى بعضها ببعض .

التالي السابق


حديث أبي سعيد لم يخرجه ابن ماجه ، وإنما خرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من رواية عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة ، حدثنا الدراوردي ، عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا ضرر ولا ضرار ، من ضار ضره الله ، ومن شاق شق الله عليه وقال الحاكم : صحيح الإسناد على شرط مسلم ، وقال البيهقي : تفرد به عثمان عن [ ص: 208 ] الدراوردي ، وخرجه مالك في " الموطإ " عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلا .

قال ابن عبد البر لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث ، قال : ولا يسند من وجه صحيح ، ثم خرجه من رواية عبد الملك بن معاذ النصيبي ، عن الدراوردي موصولا ، والدراوردي كان الإمام أحمد يضعف ما حدث به من حفظه ، ولا يعبأ به ، ولا شك في تقديم قول مالك على قوله . وقال خالد بن سعد الأندلسي الحافظ : لم يصح حديث : لا ضرر ولا ضرار مسندا .

وأما ابن ماجه ، فخرجه من رواية فضيل بن سليمان ، حدثنا موسى بن عقبة ، حدثنا إسحاق بن يحيى بن الوليد ، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن لا ضرر ولا ضرار ، وهذا من جملة صحيفة تروى بهذا الإسناد ، وهي منقطعة مأخوذة من كتاب ، قاله ابن المديني وأبو زرعة وغيرهما ، وإسحاق بن يحيى قيل : هو ابن طلحة ، وهو ضعيف لم يسمع من عبادة ، قاله أبو زرعة وابن أبي حاتم والدارقطني في موضع ، وقيل : إنه إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة ، ولم يسمع أيضا من عبادة ، قاله الدارقطني أيضا . [ ص: 209 ] وذكره ابن عدي في كتابه " الضعفاء " ، وقال : عامة أحاديثه غير محفوظة ، وقيل : إن موسى بن عقبة لم يسمع منه ، وإنما روى هذه الأحاديث عن أبي عياش الأسدي عنه ، وأبو عياش لا يعرف .

وخرجه ابن ماجه أيضا من وجه آخر من رواية جابر الجعفي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ضرر ولا ضرار وجابر الجعفي ضعفه الأكثرون ، وخرجه الدارقطني من رواية إبراهيم بن إسماعيل ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة وإبراهيم ضعفه جماعة ، وروايات داود عن عكرمة مناكير .

وخرج الدارقطني من حديث الواقدي ، حدثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت ، عن أبي الرجال ، عن عمرة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا ضرر ، ولا ضرار والواقدي متروك ، وشيخه مختلف في تضعيفه . وخرجه الطبراني من وجهين ضعيفين أيضا عن القاسم عن عائشة .

وخرج الطبراني أيضا من رواية محمد بن سلمة عن أبي إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمه واسع بن حبان ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا ضرر ولا ضرار في الإسلام وهذا إسناد مقارب وهو غريب ، لكن خرجه أبو داود في " المراسيل " من رواية عبد الرحمن بن مغراء عن ابن إسحاق ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمه واسع مرسلا ، وهذا أصح .

وخرج الدارقطني من رواية أبي بكر بن عياش ، قال : أراه عن ابن عطاء ، عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا ضرر ولا ضرورة ، ولا يمنعن [ ص: 210 ] أحدكم جاره أن يضع خشبه على حائطه ، وهذا الإسناد فيه شك ، وابن عطاء : هو يعقوب ، وهو ضعيف .

وروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا ضرر ولا إضرار قال ابن عبد البر : إسناده غير صحيح .

قلت : كثير هذا يصحح حديثه الترمذي ويقول البخاري في بعض حديثه : هو أصح حديث في الباب ، وحسن حديثه إبراهيم بن المنذر الحزامي ، وقال : هو خير من مراسيل ابن المسيب ، وكذلك حسنه ابن أبي عاصم ، وترك حديثه آخرون ، منهم الإمام أحمد وغيره ، فهذا ما حضرنا من ذكر طرق أحاديث هذا الباب .

وقد ذكر الشيخ رحمه الله أن بعض طرقه تقوى ببعض ، وهو كما قال ، وقد قال البيهقي في بعض أحاديث كثير بن عبد الله المزني : إذا انضمت إلى غيرها من الأسانيد التي فيها ضعف قويت .

وقال الشافعي في المرسل : إنه إذا أسند من وجه آخر ، أو أرسله من يأخذ العلم عن غير من يأخذ عنه المرسل الأول فإنه يقبل .

وقال الجوزجاني : إذا كان الحديث المسند من رجل غير مقنع - يعني : لا يقنع برواياته - وشد أركانه المراسيل بالطرق المقبولة عند ذوي الاختيار ، استعمل واكتفي به ، وهذا إذا لم يعارض بالمسند الذي هو أقوى منه .

وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث ، وقال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا ضرر ولا ضرار . [ ص: 211 ] وقال أبو عمرو بن الصلاح : هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه ، ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه ، وقد تقبله جماهير أهل العلم ، واحتجوا به ، وقول أبي داود : إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها يشعر بكونه غير ضعيف والله أعلم .

وفي المعنى أيضا حديث أبي صرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من ضار ضار الله به ، ومن شاق شاق الله عليه خرجه أبو داود والترمذي ، وابن ماجه ، وقال الترمذي : حسن غريب .

وخرج الترمذي بإسناد فيه ضعف عن أبي بكر الصديق ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ملعون من ضار مؤمنا أو مكر به .

وقوله صلى الله عليه وسلم : لا ضرر ولا ضرار . هذه الرواية الصحيحة ، ضرار بغير همزة ، وروي " إضرار " بالهمزة ، ووقع ذلك في بعض روايات ابن ماجه والدارقطني ، بل وفي بعض نسخ الموطإ ، وقد أثبت بعضهم هذه الرواية وقال : ضر وأضر بمعنى واحد ، وأنكرها آخرون ، وقالوا : لا صحة لها .

[ ص: 212 ] واختلفوا : هل بين اللفظين - أعني الضر والضرار - فرق أم لا ؟ فمنهم من قال : هما بمعنى واحد على وجه التأكيد ، والمشهور أن بينهما فرقا ، ثم قيل : إن الضرر هو الاسم ، والضرار الفعل ، فالمعنى أن الضرر نفسه منتف في الشرع ، وإدخال الضرر بغير حق كذلك .

وقيل : الضرر : أن يدخل على غيره ضررا بما ينتفع هو به ، والضرار : أن يدخل على غيره ضررا بلا منفعة له به ، كمن منع ما لا يضره ويتضرر به الممنوع ، ورجح هذا القول طائفة ، منهم ابن عبد البر ، وابن الصلاح .

وقيل : الضرر : أن يضر بمن لا يضره ، والضرار : أن يضر بمن قد أضر به على وجه غير جائز .

وبكل حال فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما نفى الضرر والضرار بغير حق .

فأما إدخال الضرر على أحد بحق ، إما لكونه تعدى حدود الله ، فيعاقب بقدر جريمته ، أو كونه ظلم غيره ، فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل ، فهذا غير مراد قطعا ، وإنما المراد : إلحاق الضرر بغير حق ، وهذا على نوعين : أحدهما : أن لا يكون في ذلك غرض سوى الضرر بذلك الغير ، فهذا لا ريب في قبحه وتحريمه ، وقد ورد في القرآن النهي عن المضارة في مواضع : منها في الوصية ، قال الله تعالى : من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار [ النساء : 12 ] ، وفي حديث أبي هريرة المرفوع : إن العبد ليعمل بطاعة الله ستين سنة ، ثم يحضره الموت ، فيضار في الوصية ، فيدخل النار ، ثم تلا : تلك حدود الله إلى قوله : ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها [ النساء : 13 - 14 ] ، وقد خرجه الترمذي وغيره بمعناه .

[ ص: 213 ] وقال ابن عباس : الإضرار : في الوصية من الكبائر ، ثم تلا هذه الآية .

والإضرار في الوصية تارة يكون بأن يخص بعض الورثة بزيادة على فرضه الذي فرضه الله له ، فيتضرر بقية الورثة بتخصيصه ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث .

وتارة بأن يوصي لأجنبي بزيادة على الثلث ، فتنقص حقوق الورثة ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : الثلث والثلث كثير .

ومتى وصى لوارث أو لأجنبي بزيادة على الثلث ، لم ينفذ ما وصى به إلا بإجازة الورثة ، وسواء قصد المضارة أو لم يقصد ، وأما إن قصد المضارة بالوصية لأجنبي بالثلث ، فإنه يأثم بقصده المضارة ، وهل ترد وصيته إذا ثبت بإقراره أم لا ؟ حكى ابن عطية رواية عن مالك أنها ترد ، وقيل : إنه قياس مذهب أحمد .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث