الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من ألفاظ القرآن

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

من ألفاظ القرآن

أهميـة البحث

هذا بحث في المصطلحات الإسلامية في القرآن الكريم، حرصت فيه على بيان المعنى اللغوي الأصلي، والمعنى الاصطلاحي لكل مصطلح استخرجته من القرآن الكريم. وقد بينت في بدايته معنى كلمة (مصطلح) كما اتفق عليها علماء اللغة. وأثبت فيه جهود العلماء المسلمين السابقين في تجديد المعنى الشرعي الذي نسميه اليوم المعنى الإسلامي للمفردات العربية.

وقد عكفت على قراءة معاجم اللغة لتحديد المعنى العربي- إن جاز التعبير- للكلمة التي عددتها مصطلحا قرآنيا. ثم عكفت على قراءة كتب التفسير المعتمدة، وكتب الدراسات الإسلامية المختلفة لتحديد المعنى الإسلامي للكلمة، وقد نظمت في النهاية معجما واسعا جعلت فيه المصطلحات مرتبة بحسب ترتيب حروف الهجاء. ومع كل مصطلح معناه اللغوي، ومعناه القرآني

وأود أن أسجل هـنا أن في لغة القرآن تطورا دلاليا واسعا عن لغة الشعر الجاهلي، أو العصر الجاهلي، مما يدل على أن التطور يستحيل أن يصنعه فرد أو أمة في هـذا الوقت المحدود. ولعل هـذا التطور الدلالي أن يكون إثباتا جديدا علميا في باب دلالة اللغة على إعجاز القرآن الكريم. وأرجو أن تتاح لي الفرصة-من جديد- لأتابع البحث في التطور الدلالي بين العصر الجاهلي، وبين عصر القرآن الكريم، على أن هـذا القرآن الكريم كتاب ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) (فصلت:42) . [ ص: 45 ]

المعنى اللغوي والمعنى الإصطلاحي

تطلق على كلمة (مصطلح) في أوساط الناس اليوم ليراد بها المعنى الذي تعارفوا عليه، واتفقوا عليه في استعمالهم اللغوي الخاص، أو في أعرافهم الاجتماعية، وعاداتهم السائرة، وتساعد الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية، على أن تحمل كلمة ما، معنى غير الذي وضعت له في أصل اللغة التي تنتمي إليها. ويسير هـذا المعنى الجديد بين الناس حتى يصبح في استعمالهم اليومي شيئا مألوفا ينسى معه ذلك المعنى اللغوي الأساس أو يكاد. وهذا المعنى الجديد هـو ما نقصده عندما نقول (المعنى الاصطلاحي) ، أما ذلك المعنى الأساس فهو المقصود بقولنا في المعجم المثبت في هـذا البحث: (المعنى اللغوي) .

المعنى الشرعي

وهذا المصطلح الإسلامي الذي أعنيه هـنا، سبق أن تحدث عنه الباحثون المسلمون، ولكنهم أطلقوا عليه (المعنى الشرعي) . فقد لاحظ المفسرون وعلماء اللغة ورود كلمات في القرآن الكريم بمعان غير المعاني التي وردت فيها في الشعر الجاهلي، وفي استعمال العرب قبل نزول القرآن، فأرادوا أن يميزوا بين المعنى العربي، والمعنى الإسلامي فقالوا: هـذا اسم لغوي، وهذا اسم شرعي. وقد تنبه أحمد بن فارس في كتابه (الصاحبي) لهذا فقال: (كانت العرب في جاهليتها على إرث من إرث آبائهم في لغاتهم، وآدابهم، ونسائهم، وقرابينهم. فلما جاء الله جل ثناؤه بالإسلام، حالت أحوال ونسخت ديانات وأبطلت أمور، ونقلت من اللغة ألفاظ من مواضع إلى مواضع أخرى، بزيادات زيدت، وشرائع شرعت، وشرائط شرطت، فعفى الآخر الأول، وشغل القوم بعد المناورات والتجارات وتطلب الأرباح والكدح للمعاش في رحلة الشتاء والصيف، وبعد الإغرام بالصيف، والعاقرة، والمباشرة بتلاوة الكتاب العزيز، الذي [ ص: 46 ] لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وبالتفقه في دين الله عز وجل ، وحفظ سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اجتهادهم في مجاهدة أعداء الإسلام...) [1] وبعد أن يقرر أحمد بن فارس أن ألفاظا نقلت من مواضع إلى أخرى، بدأ يمثل في كتابه لمثل هـذه الألفاظ، فقال: (فكان مما جاء في الإسلام ذكر المؤمن والمسلم والكافر والمنافق [2] ...) ويمضي متحدثا عن الفسق وعن الصلاة والسجود والصيام إلى أن يقول: (وكذلك الحج لم يكن عندهم فيه غير القصد وسبر الجراح، من ذلك قولهم:


وأشهد من عوف حلولا كثيرة يحجون سب الزبرقان المزعفرا



ثم زادت الشريعة ما زادته من شرائط الحج وشعائره، وكذلك الزكاة لم تكن العرب تعرفها إلا من ناحية النماء، وزاد الشرع ما زاده فيها مما لا وجه لإطالة الباب بذكره، وعلى هـذا سائر ما تركنا ذكره من العمرة والجهاد وسائر أبواب الفقه. فالوجه إذا سئل الإنسان عنه أن يقول في الصلاة إسمان:

لغوي. وشرعي.

ويذكر ما كان العرب تعرفه ثم جاء الإسلام به وهو قياس ما تركنا ذكره من سائر العلوم كالنحو والعروض والشعر، كل ذلك له إسمان:

لغوي. وصناعي [3] وهكذا يبدو من هـذا النص القيم أن الذي أردته بالمصطلح الإسلامي هـو [ ص: 47 ] ما أراده الباحثون الأولون بالمعنى الشرعي. ومنه يظهر أيضا أن الباحثين القدماء أدركوا أن هـناك مصطلحات كثيرة في غير علوم القرآن وقد وأطلقوا عليها: الاسم الصناعي.

وقد تحدث أبو هـلال العسكري عن هـذا الموضوع أيضا في كتابه (الأوائل) فقال: (وقد حدثت في الإسلام معان وسميت بأسماء كانت في الجاهلية لمعان أخر، فأول ذلك، القرآن والسورة والآية والتيمم، قال تعالى: ( فتيمموا صعيدا طيبا ) (النساء:43) ، أي تحروه، ثم كثر ذلك حتى سمي التمسح تيمما.

والفسق هـو الخروج من طاعة الله تعالى: وإنما كان ذلك في الرطبة إذا خرجت من قشرها، والفأرة إذا خرجت من جحرها، وسمي الإيمان مع إسرار الكفر نفاقا.

والسجود لله إيمانا وللوثن كفرا، ولم يعرف أهل الجاهلية من ذلك شيئا. [4] وقد سمى هـؤلاء الباحثون مثل هـذه الأسماء التي استحدثها القرآن: اسما إسلاميا، ورد في المزهر: (أن لفظ الجاهلية إسم حدث في الإسلام للزمن الذي كان قبل البعثة، والمنافق اسم إسلامي لم يعرف في الجاهلية) [5] ويبدو أن مصطلح الاسم الشرعي، والاسم الإسلامي، لم يقتصر في أذهان الناس على الاسم الذي خصصه القرآن لمعنى ما، بل تعداه إلى كل معنى يتصل إلى الإسلام بسبب. ولذلك أطلق الاسم الشرعي على الأسماء التي تحمل مدلولات إسلامية، ويدل على ذلك قول أبي العلاء المعري : (وأبو الهندي إسلامي، واسمه عبد المؤمن بن عبد القدوس، وهذان إسمان شرعيان، وما استشهد بهذا البيت إلا وقائله عند المستشهد فصيح [6] [ ص: 48 ]

يتبين لنا مما سبق أن المسلمين أدركوا أن هـناك معان إسلامية قد كونها القرآن الكريم، وأن بعض الكلمات قد تحول معناها عما كان عليه قبل نزول القرآن الكريم، وأن هـذه مواقعها وسياقاتها الجديدة، وقد حق لأبي هـلال العسكري أن يقول: (ولم يعرف أهل الجاهلية من ذلك شيئا) .

وفي العصر الحديث اهتمت بعض كتب أصول الفقه بدراسة الدلالات القرآنية تمهيدا للبحث في أصول التشريع الإسلامي للقرآن والسنة والاجتهاد والقياس. وكان الحديث عن الأسماء اللغوية والشرعية فيها ممهدا لتفصيل القول في الأحكام الأخرى كطرق الاستنباط وتفصيل الأحكام.

وقد عرض الأستاذ علي حسب الله في كتابه (أصول التشريع الإسلامي) تحت عنوان (لقواعد اللغوية) إلى معاني الألفاظ: لغة وشرعا. فقال: (إن الأسماء اللغوية تنقسم إلى قسمين: وضعية وعرفية [7] . ومضى يعرف كلا من هـذين القسمين حتى وصل إلى الأسماء الشرعية التي قال فيها: (وقد وجدنا الشارع يستعمل ألفاظا عربية في معان لم يعرفها العرب من قبل، فهل وضع الشارع لهذه المعاني وضعا مبتدأ لا علاقة له بمعانيها الأولى من غير نقل؟ أم نقلها بطريق التجوز إلى معان تتصل بمعانيها الأولى، وذاعت في المعاني الجديدة حتى أصبحت حقائق شرعية عرفية فيها؟

1- ذهب الخوارج والمعتزلة وطائفة من الفقهاء إلى أن الشارع يجرد الألفاظ من معانيها اللغوية، ويضعها وضعا مبتدأ للمعاني الشرعية [ ص: 49 ] أو الدينية [8] . ثم عرض المؤلف أدلة هـذا الفريق. ومضى يعرض الآراء الأخرى.

2- وذهب أبو بكر الباقلاني إلى أن الشارع يستعمل الألفاظ العربية في معانيها اللغوية، ولا يتصرف فيها إلا بوضع شروط وقيود يتحقق بها المقصود الشرعي. وجاء المؤلف بأدلة هـذا الرأي.

3- وذهب الغزالي والرازي وجماعة إلى التوسط، فأنكروا أن تكون الألفاظ الشرعية منقولة نقلا كليا عن معانيها اللغوية على نحو ما ذهب إليه الخوارج والمعتزلة وأن تكون باقية عليها من غير تصرف فيها إلا بوضع الشروط والقيود على نحو ما ذهب إليه أبو بكر الباقلاني. وقالوا: إن الشارع تصرف في الألفاظ العربية كما تصرف العرف فيها، فخصص بعض الأسماء ببعض مسمياتها كألفاظ الإيمان والحج والصوم ونحوها، وأطلق بعض الألفاظ على ما له صلة بمعناها، كما أطلق لفظ محرمة على الخمر، والمحرم شربها) [9] ولم يكن من السهل تحديد المصطلحات الإسلامية في القرآن الكريم؛ لأن أمرين في غاية الأهمية يتحكمان في عملية التحديد هـذه:

أولهما: كيف يمكن اعتبار كلمة ما داخلة في حيز الاصطلاح

وثانيهما: مدى شيوع هـذا الاصطلاح في حياة الناس العملية شيوعا يستحق معه الدراسة والتسجيل. [ ص: 50 ]

ولاجتياز العقبة الأولى كان لا بد من قراءة القرآن الكريم عدة مرات، وتسجيل الكلمات التي يظن أنها من الكلمات الاصطلاحية، ثم عرض هـذه الكلمات على كتب الفقه الإسلامي المتعددة، وكتب التفسير المتنوعة، لمعرفة المجال الذي تحركت فيه الكلمات، والأثر الذي تركته في حياة المسلمين. وفي أثناء عملية الحصر هـذه كانت بعض المصطلحات تفرض نفسها على هـذا البحث؛ لأنها تكون مفهوما محددا، وشائعا في الوقت نفسه، مثال ذلك مصطلحات: العبادة والتوحيد، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج،والجنة والنار، والجهاد وما إلى ذلك. ولكن كلمات أخرى كانت تقتضي بعض التوقف والتساؤل: هـل هـي من المصطلحات أم لا؟ مثال ذلك بعض أسماء الله الحسنى. فالقادر والسميع والبصير والودود مثلا، يمكن أن تكون مصطلحات إسلامية إذا نظرنا إليها على أنها من الأسماء الحسنى، ويمكن ألا تكون كذلك إذا سمينا بها إنسانا ما، فعندما نقول (عبد الودود) يتوجه الذهن حالا إلى أن الودود هـو الله عز وجل وأن فلانا المسمى بهذا الاسم إن هـو إلا عبد من عباد الله. أما إذا قلنا: (فلان رجل ودود كما يظهر من تصرفاته مع زملائه) فإن هـذه الكلمة لا تتعدى أن تكون صفة عادية، يمكن أن يتصف بها أي فرد من الناس.

ولا يكفي في هـذا المجال القول: (إن هـذه الكلمات إذا وردت معرفة بأل فإنه يقصد بها الله عز وجل ، أما إذا وردت نكرة فإنها تكون صفة عادية لأي فرد من الناس. فنحن يمكن أن نقول: الأعلى، العزيز، الحكيم، مثلا ونقصد به واحدا من الناس، بل إن القرآن الكريم فعل ذلك عندما قال الله عز وجل مصورا جبروت فرعون وطغيانه: ( فكذب وعصى * ثم أدبر يسعى * فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الأعلى * فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ) (النازعات:21-25) . وفي سورة يوسف أيضا ورد أن حاكم مصر كان اسمه العزيز، قال تعالى: ( وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه [ ص: 51 ] قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين ) (يوسف:30) ، ودلالة مثل هـذه الكلمات إنما يكشفها السياق الذي تقع فيه. ولذا فإني اقتصرت في هـذا البحث على الأسماء الحسنى التي اختص بها الله عز وجل ولم يسم أو يوصف بها غيره سبحانه، قبل نزول القرآن وبعده، مثل: الله والأحد والصمد وسبحان وغيرها.

وهناك كلمات أخرى كان من الصعب اعتبارها مصطلحات إسلامية لأنها تحمل دلالات إسلامية عامة لا يمكن حصرها في إطار معين، مثل الخير، والشر، والدعاء، والسلطان، والغلول، والرجس، والخبائث، والزنا، فهذه كلمات عامة الدلالة يستوي في فهمها كل الناس، مسلمين وغير مسلمين، فإذا أطلقت هـذه الألفاظ فإنها لا تكون معنى محددا يمكن اعتبارها معه معنى إسلاميا أو مصطلحا إسلاميا.

وكان يمكن دراسة هـذه الكلمات مع غيرها من المصطلحات في هـذا البحث، إلا أن ذلك يخرج هـذه الدراسة عن الغاية التي عقدت من أجلها، وهي دراسة التطور اللغوي، في مجال الدلالة والمعنى عبر عصرين متواليين هـما العصر الجاهلي والعصر الإسلامي الأول. وعدم وضوح هـذه الغاية هـو السبب الذي جعل بعض الكتب القديمة التي وضعت لمثل هـذه الدراسة تخرج عن قصدها.

وهناك نمط ثالث من الكلمات تخضع لهذا الحكم نفسه. وهي الكلمات الخاصة بالأحوال المدنية في حياة الناس كالزواج والطلاق والميراث والوصية، فهي على الرغم من أنها تحمل دلالات إسلامية معروفة، إلا أنها لا تكون مصطلحات إسلامية، لأنها عامة في كل الشعوب، لذلك فإن الأولى بها أن تعالج في كتب الفقه ليتعرف الناس هـناك إلى أحكامها وشروطها.

أما الأمر الثاني في تحديد المصطلحات الإسلامية وهو مدى شيوع المصطلح في حياة الناس، فقد كان سببا في استبعاد بعض المصطلحات عن هـذا البحث.

وأنني أقر- قبل التمثيل لهذه المصطلحات- أن المنهج الذي أقمت عليها بناء [ ص: 52 ] بحثي هـذا يمكن القارئ من أن يدرس- إن شاء الله- هـذه المصطلحات القليلة ليتعرف إلى التطور الدلالي فيها. وهنا قد يحسن التنبيه على أن الغاية عندي ليست هـي في حصر المصطلحات مثلما هـي في استخراج قاعدة عامة للبحث، تكون أساسا لدراسات أخرى في تطور الدلالات اللغوية في التراث العربي.

وأحب أن أقرر هـنا أن هـذا المعجم الذي أثبته في الصفحات التالية قد جمع خلاصته بحث طويل وجهد متواصل في استخراج المعاني اللغوية الأصلية لكل مصطلح من المعاجم اللغوية المعتمدة، مثل: العين والتهذيب واللسان والمحكم وغيرها. ثم هـو خلاصة لبحث متواصل عن المعنى الاصطلاحي أو المعنى القرآني للكلمة، جبت خلاله كتب التفسير المختلفة، وكتب الدراسات الإسلامية المتنوعة.

وإني رغبت في اختصار هـذا البحث، بالاحتفاظ بتلك الجذاذات، وعرض نتيجتها في هـذا المعجم، عسى أن تتوفر فرصة أخرى لعرض هـذا الموضوع في بحث مستوف أقدم فيه الشواهد الشعرية من العصر الجاهلي، والشواهد القرآنية والأدبية على تطور الدلالة في القرآن الكريم، ليكون دليلا صادقا على إعجاز القرآن الكريم من وجهة نظر التطور الدلالي في الدراسة اللغوية.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث