الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

سورة الواقعة مكية وهي ست وتسعون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

( إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش مرفوعة إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ) رجت الأرض : زلزلت وحركت تحريكا شديدا بحيث تنهدم الأبنية وتخر الجبال . بست الجبال : فتتت ، وقيل : سيرت ، من قولهم : بس الغنم : ساقها ، ويقال : رجت الأرض وبست الجبال لازمين . المشأمة : من الشؤم ، أو من اليد الشؤمى ، وهي الشمال . الثلالة : الجماعة ، كثرت أو قلت . وقال الزمخشري : الأمة من الناس الكثيرة ، وقال الشاعر :


وجاءت إليهم ثلاثة خندقية بجيش كتيار من السيل مزبد



الموضونة : المنسوجة بتركيب بعض أجزائها على بعض ، كحلق الدرع . قال الأعشى :


ومن نسج داود موضونة     تسير مع الحي عيرا فعيرا



ومنه : وضين الناقة ، وهو خزامها ، لأنه موضون : أي مفتول . قال الراجز :


إليك تغدو قلقا وضينها     معترضا في بطنها جنينها



مخالفا دين النصارى دينها

الإبريق : إفعيل من البريق ، وهو إناء للشرب له خرطوم . قيل : وأذن ، وهو من أواني الخمر عند العرب ، قال الشاعر :


كأن إبريقهم ظبي على شرف     مفدم بسبا الكتان ملثوم



وقال عدي بن زيد :

[ ص: 201 ]

وندعو إلى الصباح فجاءت     قينة في يمينها إبريق



صدع القوم بالخمر : لحقهم الصداع في رءوسهم منها . وقيل : صدعوا : فرقوا . السدر : تقدم الكلام عليه في سورة سبأ . المخضود : المقطوع شوكه . قال أمية بن أبي الصلت :


إن الحدائق في الجنان ظليلة     فيها الكواعب سدرها مخضود



الطلح : شجر الموز ، وقيل : شجر من العضاه كثير الشوك . المسكوب : المصبوب . العروب : المتحببة إلى زوجها . الترب : اللذة ، وهو من يولد هو وآخر في وقت واحد ، سميا بذلك لمسهما التراب في وقت واحد ، والله تعالى أعلم .

[ ص: 202 ] ( إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش مرفوعة إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ) . هذه السورة مكية ، ومناسبتها لما قبلها تضمن العذاب للمجرمين ، والنعيم للمؤمنين . وفاضل بين جنتي بعض المؤمنين وجنتي بعض بقوله : ( ومن دونهما جنتان ) ، فانقسم العالم بذلك إلى كافر ومؤمن مفضول ومؤمن فاضل ; وهكذا جاء ابتداء هذه السورة من كونهم أصحاب ميمنة وأصحاب مشأمة وسباق وهم المقربون ، وأصحاب اليمين والمكذبون المختتم بهم آخر هذه السورة .

وقال ابن عباس : الواقعة من أسماء القيامة ، كالصاخة والطامة والآزفة ، وهذه الأسماء تقتضي عظم شأنها ، ومعنى ( وقعت الواقعة ) : أي وقعت التي لا بد من وقوعها ، كما تقول : حدثت الحادثة ، وكانت الكائنة ; ووقوع الأمر نزوله ، يقال : وقع ما كنت أتوقعه : أي نزل ما كنت أترقب نزوله . وقال الضحاك : ( الواقعة ) : الصيحة ، وهي النفخة في الصور . وقيل : ( الواقعة ) : صخرة بيت المقدس تقع يوم القيامة . والعامل في إذا الفعل بعدها على ما قررناه في كتب النحو ، فهو في موضع خفض [ ص: 203 ] بإضافة إذا إليها احتاج إلى تقدير عامل ، إذ الظاهر أنه ليس ثم جواب ملفوظ به يعمل بها . فقال الزمخشري : فإن قلت : بم انتصب إذا ؟ قلت : بليس ، كقولك : يوم الجمعة ليس لي شغل ، أو بمحذوف يعني : إذا وقعت كان كيت وكيت ، أو بإضمار اذكر . انتهى .

أما نصبها بليس فلا يذهب نحوي ولا من شدا شيئا من صناعة الإعراب إلى مثل هذا ، لأن ليس في النفي كما وما لا تعمل ، فكذلك ليس ، وذلك أن ليس مسلوبة الدلالة على الحدث والزمان . والقول بأنها فعل هو على سبيل المجاز ، لأن حد الفعل لا ينطبق عليها . والعامل في الظرف إنما هو ما يقع فيه من الحدث ، فإذا قلت : يوم الجمعة أقوم ، فالقيام واقع في يوم الجمعة ، وليس لا حدث لها ، فكيف يكون لها عمل في الظرف ؟ والمثال الذي شبه به ، وهو : يوم القيامة ليس لي شغل ، لا يدل على أن يوم الجمعة منصوب بليس ، بل هو منصوب بالعامل في خبر ليس ، وهو الجار والمجرور ، فهو من تقديم معمول الخبر على ليس ، وتقديم ذلك مبني على جواز تقديم الخبر الذي لليس عليها ، وهو مختلف فيه ، ولم يسمع من لسان العرب : قائما ليس زيد . وليس إنما تدل على نفي الحكم الخبري عن المحكوم عليه فقط ، فهي كما ، ولكنه لما اتصلت بها ضمائر الرفع ، جعلها ناس فعلا ، وهي في الحقيقة حرف نفي كما النافية .

ويظهر من تمثيل الزمخشري إذا بقوله : يوم الجمعة أنه سلبها الدلالة على الشرط الذي هو غالب فيها ، ولو كانت شرطا ، وكان الجواب الجملة المصدرة بليس ، لزمت الفاء ، إلا إن حذفت في شعر ، إذ ورد ذلك ، فنقول : إذا أحسن إليك زيد فلست تترك مكافأته . ولا يجوز لست بغير فاء ، إلا إن اضطر إلى ذلك . وأما تقديره : إذا وقعت كان كيت وكيت ، فيدل على أن إذا عنده شرطية ، ولذلك قدر لها جوابا عاملا فيها . وأما قوله : بإضمار اذكر ، فإنه سلبها الظرفية ، وجعلها مفعولا بها منصوبة بـ اذكر .

و ( كاذبة ) : ظاهره أنه اسم فاعل من كذب ، وهو صفة لمحذوف ، فقدره الزمخشري : نفس كاذبة ، أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله وتكذب في تكذيب الغيب ، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة ، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات ، لقوله تعالى : ( فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ) ، ( لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم ) ( ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة ) ، واللام مثلها في قوله : ( ياليتني قدمت لحياتي ) ، إذ ليس لها نفس تكذبها وتقول لها : لم تكذبي ، كما لها اليوم نفوس كثيرة يقلن لها : لم تكذبي ، أو هي من قولهم : كذبت فلانا نفسه في الخطب العظيم ، إذا شجعته على مباشرته ، وقالت له : إنك تطيقه وما فوقه ، فتعرض له ولا تبال على معنى : أنها وقعة لا تطاق بشدة وفظاعة ، وأن لا نفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور ، وتزين له احتمالها وإطاقتها ، لأنهم يومئذ أضعف من ذلك وأذل . ألا ترى إلى قوله تعالى : ( كالفراش المبثوث ) ؟ والفراش مثل في الضعف . انتهى ، وهو تكثير وإسهاب . وقدره ابن عطية : حال كاذبة ، قال : ويحتمل الكلام على هذا معنيين : أحدهما كاذبة ، أي مكذوب فيما أخبر به عنها ، فسماها كاذبة لهذا ، كما تقول : هذه قصة كاذبة ، أي مكذوب فيها . والثاني : حال كاذبة ، أي لا يمضي وقوعها ، كما تقول : فلان إذا حمل لم يكذب . وقال قتادة والحسن : المعنى : ليس لها تكذيب ولا رد ولا منثوية ، فكاذبة على هذا مصدر ، كالعاقبة والعافية وخائنة الأعين . والجملة من قوله : ( ليس لوقعتها كاذبة ) على ما قدره الزمخشري من أن إذا معمولة لليس يكون ابتداء السورة ، إلا إن اعتقد أنها جواب لإذا ، أو منصوبة بـ اذكر ، فلا يكون ابتداء كلام . وقال ابن عطية : في موضع الحال ، والذي يظهر لي أنها جملة اعتراض بين الشرط وجوابه .

وقرأ الجمهور : ( خافضة رافعة ) برفعهما ، على تقدير هي ; وزيد بن علي والحسن وعيسى وأبو حيوة وابن أبي عبلة وابن مقسم والزعفراني [ ص: 204 ] واليزيدي في اختياره بنصبهما . قال ابن خالويه : قال الكسائي : لولا أن اليزيدي سبقني إليه لقرأت به ، ونصبهما على الحال . قال ابن عطية : بعد الحال التي هي ( ليس لوقعتها كاذبة ) ، ولك أن تتابع الأحوال ، كما لك أن تتابع أخبار المبتدأ . والقراءة الأولى أشهر وأبدع معنى ، وذلك أن موقع الحال من الكلام موقع ما لو لم يذكر لاستغني عنه ، وموقع الجمل التي يجزم الخبر بها موقع ما يهتم به . انتهى . وهذا الذي قاله سبقه إليه أبو الفضل الرازي . قال في كتاب اللوامح : وذو الحال الواقعة والعامل وقعت ، ويجوز أن يكون ( ليس لوقعتها كاذبة ) حالا أخرى من الواقعة بتقدير : إذا وقعت صادقة الواقعة ، فهذه ثلاثة أحوال من ذي حال ، وجازت أحوال مختلفة عن واحد ، كما جازت عنه نعوت متضادة وأخبار كثيرة عن مبتدأ واحد . وإذا جعلت هذه كلها أحوالا ، كان العامل في ( إذا وقعت ) محذوفا يدل عليه الفحوى بتقدير يحاسبون ونحوه . انتهى . وتعداد الأحوال والأخبار فيه خلاف وتفصيل ذكر في النحو ، فليس ذلك مما أجمع عليه النحاة .

قال الجمهور : القيامة تنفطر له السماء والأرض والجبال ، وتنهد له هذه البنية برفع طائفة من الأجرام وبخفض أخرى ، فكأنها عبارة عن شدة الهول والاضطراب . وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك : الصيحة تخفض قوتها لتسمع الأدنى ، وترفعها لتسمع الأقصى . وقال قتادة وعثمان بن عبد الله بن سراقة : القيامة تخفض أقواما إلى النار ، وترفع أقواما إلى الجنة ; وأخذ الزمخشري هذه الأقوال على عادته وكساها بعض ألفاظ رائعة ، فقال : ترفع أقواما وتضع آخرين ، إما وصفا لها بالشدة ، لأن الواقعات العظام كذلك يرتفع فيها ناس إلى مراتب ويتضع ناس ; وإما أن الأشقياء يحطون إلى الدركات والسعداء يحطون إلى الدرجات . وإما أنها تزلزل الأشياء عن مقارها لتخفض بعضا وترفع بعضا ، حيث تسقط السماء كسفا ، وتنتثر الكواكب وتنكدر ، وتسير الجبال فتمر في الجو مر السحاب . انتهى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث