الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إذا غاب عن الكعبة وعرفها صلى إليها

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن لم يكن بحضرة البيت نظرت - فإن عرف القبلة صلى إليها ; وإن أخبره من يقبل خبره عن علم قبل قوله ولا يجتهد ، كما يقبل الحاكم النص من الثقة ولا يجتهد ، وإن رأى محاريب المسلمين في بلد صلى إليها ولا يجتهد ; لأن ذلك بمنزلة الخبر ) .

التالي السابق


( الشرح ) إذا غاب عن الكعبة وعرفها صلى إليها ، وإن جهلها فأخبره من يقبل خبره لزمه أن يصلي بقوله : ولا يجوز الاجتهاد ، وقد تقدم في باب الشك في باب نجاسة الماء بيان من يقبل خبره ، وأنه يدخل فيه الحر والعبد والمرأة بلا خلاف ، ولا يقبل خبر الكافر في القبلة بلا خلاف . وأما الصبي المميز فالمشهور أنه لا يقبل خبره ونقل القاضي حسين وصاحبا التهذيب والتتمة فيه نصين للشافعي ( أحدهما ) يقبل ( والثاني ) لا . قالوا : فمن أصحابنا من قال في قبول قوله هنا قولان للنصين ، وقال القفال فيه وجهان ، وكذا في قبول روايته حديث النبي صلى الله عليه وسلم وغيره الوجهان ، الأصح لا يقبل . ومنهم من قال : النصان على حالين ، فإن دله على المحراب أو أعلمه بدليل قبل منه ، وإن أخبره باجتهاد فلا يقبل منه . وأما الفاسق ففيه طريقان ( المشهور ) أنه لا يقبل خبره هنا كسائر أخباره ، وبهذا قطع البغوي والأكثرون ( والثاني ) في قبوله وجهان لعدم التهمة هنا ، وممن حكى الوجهين فيه القاضي حسين وصاحب التتمة وآخرون ، واختار صاحب التتمة القبول ، وقد سبق في باب الشك في نجاسة الماء أن الكافر والفاسق يقبل قولهما في الإذن في دخول الدار وحمل الهدية ، أما المحراب فيجب اعتماده ولا يجوز معه الاجتهاد . ونقل صاحب الشامل إجماع المسلمين على هذا ، واحتج له أصحابنا بأن المحاريب لا تنصب إلا [ ص: 201 ] بحضرة جماعة من أهل المعرفة بسمت الكواكب والأدلة ، فجرى ذلك مجرى الخبر .

واعلم أن المحراب إنما يعتمد بشرط أن يكون في بلد كبير أو في قرية صغيرة يكثر المارون بها بحيث لا يقرونه على الخطأ ، فإن كان في قرية صغيرة لا يكثر المارون بها لم يجز اعتماده ، هكذا ذكر هذا التفصيل جماعة منهم صاحب الحاوي والشيخ أبو محمد الجويني في كتابه التبصرة وصاحبا التهذيب والتتمة وآخرون ، وهو مقتضى كلام الباقين .



قال صاحب التهذيب : لو رأى علامة في طريق يقل فيه مرور الناس أو في طريق يمر فيه المسلمون والمشركون ولا يدري من نصبها ، أو رأى محرابا في قرية لا يدري بناه المسلمون أو المشركون ؟ أو كانت قرية صغيرة للمسلمين اتفقوا على جهة يجوز وقوع الخطأ لأهلها ؟ فإنه يجتهد في كل هذه الصور ولا يعتمده ، وكذا قال صاحب التتمة : لو كان في صحراء أو قرية صغيرة أو مسجد في برية لا يكثر به المارة فالواجب عليه الاجتهاد ، قال : ولو دخل بلدا قد خرب وانجلى أهله فرأى فيه محاريب ، فإن علم أنها من بناء المسلمين اعتمدها ولم يجتهد ، وإن احتمل أنها من بناء المسلمين واحتمل أنها من بناء الكفار لم يعتمدها بل يجتهد ، ونقل الشيخ أبو حامد في تعليقه هذا التفصيل في البلد الخراب عن أصحابنا كلهم .



( فرع ) قال أصحابنا : إذا صلى في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمحراب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقه كالكعبة ، فمن يعاينه يعتمده ، ولا يجوز العدول عنه بالاجتهاد بحال ، ويعني بمحراب رسول الله صلى الله عليه وسلم مصلاه وموقفه ; لأنه لم يكن ( هذا المحراب هو المعروف ) في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما أحدثت المحاريب بعده . قال أصحابنا : وفي معنى محراب المدينة سائر البقاع التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ضبط المحراب ، وكذا المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين بالشرط السابق ، فلا يجوز الاجتهاد في هذه المواضع في الجهة بلا خلاف . [ ص: 202 ] وأما الاجتهاد في التيامن والتياسر فإن كان محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجز بحال ، وإن كان في سائر البلاد ففيه أوجه ( أصحها ) يجوز ، قال الرافعي وبه قطع الأكثرون ( والثاني ) لا يجوز في الكوفة خاصة ( والثالث ) لا يجوز فيها ولا في البصرة لكثرة من دخلها من الصحابة .



( فرع ) قال أصحابنا : الأعمى يعتمد المحراب بمس إذا عرفه بالمس حيث يعتمده البصير ، وكذا البصير في الظلمة ، وفيه وجه أن الأعمى إنما يعتمد محرابا رآه قبل العمى ، ولو اشتبه على الأعمى مواضع لمسها صبر حتى يجد من يخبره فإن خاف فوت الوقت صلى على حسب حاله وتجب الإعادة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث