الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه

فصل.

قد ذكرنا ما تيسر من طرق الناس في المعرفة بالله؛ ليعرف أن الأمر في ذلك واسع، وأن ما يحتاج الناس إلى معرفته، مثل الإيمان بالله ورسوله، فإن الله يوسع طرقه وييسرها، وإن كان الناس متفاضلين في ذلك تفاضلا عظيما. وليس الأمر كما يظنه كثير من أهل الكلام من أن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بطريق يعينونها، وقد يكون الخطأ الحاصل بها يناقض حقيقة الإيمان، كما أن كثيرا منهم يذكر أقوالا متعددة، والقول [ ص: 67 ] الذي جاءت به الرسل، وكان عليه سلف الأمة لا يذكره ولا يعرفه.

وهذا موجود في عامة الكتب المصنفة في المقالات والملل والنحل، مثل كتاب أبي عيسى الوراق، والنوبختي، وأبي الحسن الأشعري، والشهرستاني: تجدهم يذكرون من أقوال اليهود والنصارى والفلاسفة وغيرهم من الكفار، ومن أقوال الخوارج والشيعة والمعتزلة والمرجئة والكلابية والكرامية والمجسمة والحشوية أنواعا من المقالات.

والقول الذي جاء به الرسول، وكان عليه الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين، لا يعرفونه ولا يذكرونه. بل وكذلك في كتب الأدلة والحجج التي يحتج بها المصنف للقول الذي يقول إنه الحق، تجدهم يذكرون في الأصل العظيم قولين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك وينصرون أحدها، ويكون كل ما ذكروه أقوالا فاسدة مخالفة للشرع والعقل. والقول الذي جاء به الرسول، وهو الموافق لصحيح المنقول وصريح العقول لا يعرفونه ولا يذكرونه، فيبقى الناظر في كتبهم حائرا ليس فيما ذكروه ما يهديه ويشفيه، ولكن قد يستفيد من رد بعضهم على علمه ببطلان تلك المقالات كلها.

وهذا موجود في عامة كتب أهل الكلام والفلسفة: متقدميهم [ ص: 68 ] ومتأخريهم إلى كتب الرازي والآمدي ونحوها، وليس فيها من أمهات الأصول الكلية والإلهية القول الذي هو الحق، بل تجد كل ما يذكرونه من المسائل وأقوال الناس فيها، إما أن يكون الكل خطأ، وإما أن يذكروا القول الصواب من حيث الجملة، مثل إطلاق القول بإثبات الصانع، وأنه لا إله إلا هو وأن محمدا رسول الله، لكن لا يعطون هذا القول حقه: لا تصورا ولا تصديقا فلا يحققون المعنى الثابت في نفس الأمر من ذلك، ولا يذكرون الأدلة الدالة على الحق، وربما بسطوا الكلام في بعض المسائل الجزئية التي لا ينتفع بها وحدها، بل قد لا يحتاج إليها.

وأما المطالب العالية والمقاصد السامية، من معرفة الله تعالى والإيمان به وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فلا يعرفونه كما يجب، وكما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يذكرون من ذلك ما يطابق صحيح المنقول ولا صريح المعقول.

وابن رشد الحفيد واحد من هؤلاء؛ ولهذا لما ذكر أصناف الأمة، وجعلهم أربعة أقسام: باطنية، وحشوية، ومعتزلة، وأشعرية: جرى [ ص: 69 ] في ذلك على طريق أمثاله من أهل الكلام والفلسفة. وهو قد نبه على كثير مما جاء به القرآن، كما سنذكره عنه.

لكن المقصود أنه في تقسيم الأمة لم يذكر القسم الذي كان عليه السلف والأئمة، وعليه خيارها إلى يوم القيامة. لكنه صدق في وصفه من ذكره بالتقصير عن مقصود الشرع فإنه كما قال. قال: وذلك أنه يظهر من غير ما آية من كتاب الله تعالى أنه دعا الناس فيها إلى التصديق بوجود الباري تعالى بأدلة عقلية منصوص عليها فيها، مثل قوله تعالى: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم [سورة البقرة: 21] ومثل قوله أفي الله شك فاطر السماوات والأرض [سورة إبراهيم: 10]، إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث