الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                          وإن أجج نارا في ملكه ، أو سقى أرضه ، فتعدى إلى ملك غيره وأتلفه ضمن ، إذا كان أسرف فيه أو فرط وإلا فلا ، وإن حفر في فنائه بئرا لنفسه ضمن ما تلف بها ، وإن حفرها في سابلة لنفع المسلمين لم يضمن ما تلف بها في أصح الروايتين ، وإن بسط في مسجد حصيرا ، أو علق فيه قنديلا لم يضمن ما تلف به ، وإن جلس في مسجد أو طريق واسع فعثر به حيوان فتلف لم يضمن في أحد الوجهين .

                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                          ( وإن أجج نارا في ملكه ، أو سقى أرضه ، فتعدى إلى ملك غيره فأتلفه ضمن إذا كان أسرف فيه أو فرط ) بأن أججها بما تسري في العادة لكثرتها ، أو في ريح شديدة تحملها ، أو فتح ماء كثيرا يتعدى ; لأنها سراية عدوان ، فلزمه [ ص: 193 ] الضمان كما لو باشر ذلك بالإتلاف ، فلو أججها ثم طرأت ريح لم يضمن ، قال في " عيون المسائل " : لو أججها على سطح داره فهبت الريح ، فأطارت الشرر لم يضمن ; لأنه في ملكه ، وهبوب الريح ليس من فعله ، بخلاف ما لو رمى قشر بطيخ في طريق ، وظاهر " الوجيز " ، و " الفروع " أنه يضمن حيث لم يكن ذلك في ملكه ، صرح به في " الشرح " لتعديه ( وإلا فلا ) ضمان حيث لم يوجد إفراط ولا تفريط ، لأنه غير متعد ; لأنها سراية فعل مباح فلم يضمن ، كسراية القود ، وفارق ما إذا حل زقا فاندفق ما فيه ; لأنه متعد بحله ( وإن حفر في فنائه ) وهو ما كان خارج الدار قريبا منها ( بئرا لنفسه ضمن ما تلف بها ) لأنه متسبب إلى إتلاف غيره ، فلزمه الضمان كواضع السكين ، وسواء حفرها بإذن الإمام أو غير إذنه ، فيها ضرر أو لا ، وقال بعض أصحابنا : له حفرها لنفسه بإذن الإمام ، ذكره القاضي ، فعليه لا ضمان ; لأن للإمام أن يأذن في الانتفاع بما لا ضرر فيه ، وجوابه بأنه حفر في مكان مشترك بغير إذن أهله لغير مصلحتهم ؛ فضمن كما لو لم يأذن الإمام فيه ، ولا نسلم أن للإمام الإذن فيه ، فدل أنه لا يجوز لوكيل بيت المال وغيره بيع شيء من طريق المسلمين النافذ ، وأنه ليس لحاكم الحكم بصحته ، وقاله الشيخ تقي الدين ، وفي " الفروع " يتوجه جوازه للمصلحة ( وإن حفرها في سابلة ) وهي الطريق المسلوكة السبيل : الطريق يذكر ويؤنث ( لنفع المسلمين ) لينزل فيها ماء المطر ، أو ليشرب منها المارة ( لم يضمن ما تلف بها في أصح الروايتين ) لأنه محسن بفعله غير متعد ، أشبه باسط الحصير في المسجد ، وعلله أحمد بأنه نفع للمسلمين ، ومحله ما لم يكن فيه [ ص: 194 ] ضرر ، ومعناه في " الوجيز " بأن حفرها في سابلة واسعة لمصلحة عامة ، والثانية يضمن ، واقتصر القاضي على حكايتها ; لأنه مأذون له في ذلك بشرط سلامة العاقبة ، ولم توجد ، وعنه : يضمن إلا أن يكون بإذن حاكم ، والأول أشهر ; لأن هذا مما تدعو الحاجة إليه ، ويشق استئذان الإمام ، وتعم البلوى به ، ومثله لو حفرها في موات لتملك ، أو ارتفاق ، أو انتفاع عام ، نص عليه ، أو بنى فيها مسجدا أو خانا ونحوهما لنفع المسلمين .

                                                                                                                          فرع : فعل عبده بأمره كفعله ، أعتقه أو لا ، ويضمن سلطان آمر وحده ، وإن حفرها حر بأجرة أو لا وثبت علمه أنها في ملك غيره ، نص عليه ، ضمن الحافر ، ونصه : هما ، وإن جهل فالآمر ، وقيل : الحافر ، ويرجع على الآمر .

                                                                                                                          تنبيه : حكم البناء في الطريق كالحفر فيه ، مسجدا كان أو غيره ، نقل إسماعيل بن سعيد في المسجد : لا بأس به إذا لم يضر بالطريق ، ونقل عبد الله : أكره الصلاة فيه إلا أن يكون بإذن الإمام ، ونقل المروذي أن هذه المساجد التي بنيت في الطريق تهدم ، وسأله محمد بن يحيى الكحال : يزيد في المسجد من الطريق ، قال : لا تصلي فيه ، وفي " المغني " : يحتمل أن يعتبر إذن الإمام في البناء لنفع المسلمين دون الحفر لدعوى الحاجة إليه لنفع الطريق ، وإصلاحها ، وإزالة الطين والماء منها فهو كتنقيتها ، وحفر هدفه فيها ، وقلع حجر يضر بالمارة ، ووضع الحصى في حفرة فيها ليملأها ، وتسقيف ساقية فيها ، ووضع حجر في طين ليطأ الناس عليه ، فهذا كله مباح ، لا يضمن ما تلف به ، لا نعلم فيه خلافا ، وكذا بناء [ ص: 195 ] القناطر ، ويحتمل أن يعتبر فيها إذن الإمام ; لأن مصلحته لا تعم ، قال بعض أصحابنا في حفر البئر : ينبغي أن يتقيد سقوط الضمان إذا حفرها في مكان مائل عن القارعة ، وجعل عليه حاجزا ، يعلم به ليتوقى ( وإن بسط في مسجد حصيرا ، أو علق فيه قنديلا ) أو فعل فيه شيئا ينفع الناس ( لم يضمن ما تلف به ) لأنه مأذون في ذلك شرعا ، فلم يضمن ما تولد منه كسراية القود ، وقيل : بل يضمن المال ، وعاقلته ، والدية ، وقال ابن حمدان : إن فعله بإذن الإمام ، أو حاجة ، فهدر ، والأول أولى ، وقاله الأكثر كوضع حصى فيه ; ولأنه أحسن بفعله من غير تعد منه ، فلم يضمن ما تلف كما لو أذن الإمام والجيران ( وإن جلس في مسجد أو طريق واسع فعثر به حيوان فتلف لم يضمن في أحد الوجهين ) وهو الأصح ; لأنه جلس في مكان له الجلوس فيه من غير تعد على أحد ، وتقييده بالواسع يخرج الضيق ، والثاني يضمن ; لأن الطريق جعلت للمرور فيها لا الجلوس ، والمسجد للصلاة وذكر الله تعالى ، وما ذكره المؤلف أولى ; لأنه فعل فعلا مباحا ، والطريق الواسع يجلس فيه عادة ، والمسجد جعل للصلاة ، وانتظارها ، والاعتكاف في جميع الأوقات ، وبعضها لا تباح الصلاة فيه .




                                                                                                                          الخدمات العلمية