الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
القول في تأويل قوله ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ( 73 ) )

قال أبو جعفر : وهذا أيضا خبر من الله تعالى ذكره عن فريق آخر من الإسرائيليين الذين وصف صفتهم في الآيات قبل : أنه لما ابتلاهم بعد حسبانهم أنهم لا يبتلون ولا يفتنون ، قالوا كفرا بربهم وشركا : "الله ثالث ثلاثة" .

[ ص: 482 ] وهذا قول كان عليه جماهير النصارى قبل افتراق اليعقوبية والملكية والنسطورية . كانوا فيما بلغنا يقولون : "الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم : أبا والدا غير مولود ، وابنا مولودا غير والد ، وزوجا متتبعة بينهما" .

يقول الله تعالى ذكره ، مكذبا لهم فيما قالوا من ذلك : "وما من إله إلا إله واحد " ، يقول : ما لكم معبود ، أيها الناس ، إلا معبود واحد ، وهو الذي ليس بوالد لشيء ولا مولود ، بل هو خالق كل والد ومولود"وإن لم ينتهوا عما يقولون " ، يقول : إن لم ينتهوا قائلو هذه المقالة عما يقولون من قولهم : "الله ثالث ثلاثة " "ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم " ، يقول : ليمسن الذين يقولون هذه المقالة ، والذين يقولون المقالة الأخرى : "هو المسيح ابن مريم " ، لأن الفريقين كلاهما كفرة مشركون ، فلذلك رجع في الوعيد بالعذاب إلى العموم ، ولم يقل : "ليمسنهم عذاب أليم " ، لأن ذلك لو قيل كذلك ، صار الوعيد من الله تعالى ذكره خاصا لقائل القول الثاني ، وهم القائلون : "الله ثالث ثلاثة " ، ولم يدخل فيهم القائلون : "المسيح هو الله" . فعم بالوعيد تعالى ذكره كل كافر ، ليعلم المخاطبون بهذه الآيات أن وعيد الله قد شمل كلا الفريقين من بني إسرائيل ، ومن كان من الكفار على مثل الذي هم عليه .

فإن قال قائل : وإن كان الأمر على ما وصفت ، فعلى من عادت"الهاء والميم " اللتان في قوله : "منهم"؟

قيل : على بني إسرائيل .

[ ص: 483 ] فتأويل الكلام ، إذ كان الأمر على ما وصفنا : وإن لم ينته هؤلاء الإسرائيليون عما يقولون في الله من عظيم القول ، ليمسن الذين يقولون منهم : "إن المسيح هو الله " ، والذين يقولون : "إن الله ثالث ثلاثة " ، وكل كافر سلك سبيلهم عذاب أليم ، بكفرهم بالله .

وقد قال جماعة من أهل التأويل بنحو قولنا ، في أنه عنى بهذه الآيات النصارى .

ذكر من قال ذلك :

12294 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة " ، قال : قالت النصارى : "هو والمسيح وأمه " ، فذلك قول الله تعالى : ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) [ سورة المائدة : 116 ] .

12295 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال مجاهد : " لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة " ، نحوه .

التالي السابق


الخدمات العلمية