الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآية الثالثة قوله تعالى وما تلك بيمينك يا موسى

[ ص: 257 ] الآية الثالثة قوله تعالى : { وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى } . فيها خمس مسائل :

المسألة الأولى : قوله تعالى : { وما تلك بيمينك } قال علماؤنا : إنما سأله عنها لما كان أضمر من الآية له فيها ، حتى إذا رجع عليها ، وتحقق حالها ، وكسيت تلك الحلة الثعبانية بمرأى منه لابتدائها كان تبديلها مع الذكر أوقع في القلب وأيسر له من أن يغفل عنها ، فيراها بحلة الثعبانية مكسوة ، فيظن أنما عين أخرى سواها .

المسألة الثانية : { قال هي عصاي } قال أرباب القلوب : الجواب المطلق أن يقول هي عصا ، ولا يضيف إلى نفسه شيئا ، فلما أراد أن يكونا اثنين أفرد عنها بصفة الحية ، فبقي وحده لله ، كما يحب ، حتى لا يكون معه إلا الله ، يقول الله : أنت عبدي ، ويقول موسى : أنت ربي .

المسألة الثالثة : أجاب موسى بأكثر من المعنى الذي وقع السؤال عنه فإنه ذكر في الجواب أربعة معان ، وكان يكفي واحد قال : الإضافة ، والتوكؤ ، والهش ، والمآرب المطلقة ، وكان ذلك دليلا على جواب السؤال بأكثر من مقتضى ظاهره . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : { هو الطهور ماؤه الحل ميتته } لمن سأله عن طهور ماء البحر .

المسألة الرابعة : الهش : هو أن يضع المحجن في أصل الغصن ويحركه فيسقط منه ما سقط ، ويثبت ما [ ص: 258 ] ثبت قاله ابن القاسم عن مالك ، وروي عنه أيضا أنه قال : { مر النبي صلى الله عليه وسلم براع يعضد شجرة فنهاه عن ذلك ، وقال : هشوا وارعوا } ، وهذا من باب الاقتصاد في الاقتيات ، فإنه إذا عضد الشجرة اليوم لم يجد فيها غدا شيئا ولا غيره ممن يخلفه ، فإذا هش ورعى أخذ وأبقى ، والناس كلهم فيه شركاء ، فليأخذ وليدع ، إلا أن يكون الشيء كثيرا فليأخذه كيف شاء .

المسألة الخامسة . تعرض قوم لتعديد منافع العصا ، كأنهم يفسرون بذلك قول موسى { ولي فيها مآرب أخرى } ، وهذا مما لا يحتاج إليه في العلم ، وإنما ينبغي أن يصرف العصا في حاجة عرضت ; أما إنه يحتاج إليها في الدين في موضع واحد إجماعا وهو الخطبة ، وفي موضع آخر باختلاف وهو التوكؤ عليها في صلاة النافلة . وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به ، رواه أبو داود وغيره ، وقد قدمنا ذكره في كل موضع هنا وسواه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث