الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآية الخامسة قوله تعالى ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما

الآية الخامسة قوله تعالى : { ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما } . وقد تقدم ما في مثلها من أحكام ; بيد أنه كنا في الإملاء الأول قد وعدنا في قولهم : إنه أكلها ناسيا ببيانه في هذا الموضع ، فها نحن بقوة الله ننتقض من عهدة الوعد ، فنقول : كما قال في تنزيه الأنبياء عن الذي لا يليق بمنزلتهم مما ينسب الجهلة إليهم من وقوعهم في الذنوب عمدا منهم إليها ، واقتحاما لها مع العلم بها ، وحاش لله ، فإن الأوساط من المسلمين يتورعون عن ذلك ، فكيف بالنبيين ، ولكن البارئ سبحانه وتعالى بحكمه النافذ ، وقضائه السابق ، أسلم آدم إلى المخالفة ، فوقع فيها متعمدا ناسيا ، فقيل في تعمده : { وعصى آدم ربه } .

وقيل في بيان عذره : { ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي } . ونظيره من التمثيلات أن يحلف الرجل لا يدخل دارا أبدا ، فيدخلها متعمدا ناسيا ليمينه ، أو مخطئا في تأويله ، فهو عامد ناس ، ومتعلق العمد غير متعلق النسيان ، وجاز للمولى أن يقول في عبده : عصى تحقيرا وتعذيبا ، ويعود عليه بفضله فيقول : نسي تنزيها ، ولا يجوز لأحد منا أن يخبر بذلك عن آدم ، إلا إذا ذكرناه في أثناء قول الله عنه ، أو قول نبيه . وأما أن نبتدئ في ذلك من قبل أنفسنا فليس بجائز لنا في آبائنا الأدنين إلينا ، المماثلين لنا ، فكيف بأبينا الأقدم الأعظم ، النبي المقدم ، الذي عذره الله ، وتاب عليه ، وغفر له .

[ ص: 260 ] ووجه الخطأ في قصة آدم غير متعين ، ولكن وجوه الاحتمالات تتصرف ، والمدرك منها عندنا أن يذهل عن أكل الشجرة ، كما ضربنا المثل في دخول الدار .

الثاني : أن يذهل عن جنس منهي منه ، ويعتقده في عينه ; إذ قال الله له هذه الشجرة ، كما تقدم في سورة البقرة .

الثالث : أن يعتقد أن النهي ليس على معنى الجزم الشرعي لمعنى مغيب .

فإن قيل : فقد قال : { فتكونا من الظالمين } . قلنا : قد قيل معناه من الظالمين لأنفسكما ، كما قال : { فمنهم ظالم لنفسه } . والصحيح هو المعنى الأول ، وهو الذي نسي من تحذير الله له ، أو تأويله في تنزيله ، وربك أعلم كيف دار الحديث . والتعيين يفتقر إلى تأويله ، وكذلك قلنا إن الناسي في الحنث معذور ، ولا يتعلق به حكم . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث