الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( باب المواقيت ) ( قال ) : بلغنا { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام جحفة ولأهل نجد قرنا ولأهل اليمن يلملم ولأهل العراق ذات عرق } ، وهذا الحديث مروي عن عائشة رضي الله عنها ، فأما ابن عباس روى الحديث وذكر المواقيت الأربعة ، ولم يذكر ذات عرق لأهل العراق ، وابن عمر رضي الله عنه روى الحديث وذكر المواقيت الثلاث ، ولم يذكر ذات عرق ولا يلملم وفي هذه - الآثار دليل على أن كل من وصل إلى شيء من هذه المواقيت وهو يريد دخول مكة يلزمه الإحرام ; لأن توقيت النبي صلى الله عليه وسلم لا يخلو عن فائدة ولا فائدة في هذه المواقيت سوى المنع من تأخير الإحرام بعد ما انتهى إلى هذه المواقيت فإن قبل ذلك كان يسعه التأخير بالاتفاق والشافعي رحمه الله تعالى لظاهر الحديث يقول : الأفضل أن يكون إحرامه عند الميقات وعلماؤنا - رحمهم الله تعالى - قالوا : التأقيت لبيان أنه لا يسعه التأخير عنه ، فأما الأفضل أن يحرم قبل أن ينتهي إلى المواقيت لحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من أحرم من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفرت له ذنوبه ، وإن كانت أكثر من زبد البحر ووجبت له [ ص: 167 ] الجنة } ، وقال علي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما في تفسير قوله تعالى { وأتموا الحج والعمرة لله } : إن إتمامهما أن يحرم بهما من دويرة أهله ، قال : وبلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من وقتنا له وقتا فهو له وقت ولمن مر به من غير أهله ممن أراد الحج والعمرة } ففي هذا دليل أن كل من ينتهي إلى الميقات على قصد دخول مكة أن عليه أن يحرم من ذلك الميقات سواء كان من أهل ذلك الميقات أو لم يكن ، ألا ترى أن من دخل مكة من أهل الآفاق حلالا فأراد أن يحرم بالحج كان ميقاته للإحرام ميقات أهل مكة فكذا هنا ، ثم أخذ الشافعي رحمه الله تعالى بظاهر هذا الحديث ، فقال : إنما يجب الإحرام عند الميقات على من أراد دخول مكة للحج أو العمرة .

وأما من أراد دخولها لقتال فليس عليه الإحرام عنده قولا واحدا ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخلها يوم الفتح بغير إحرام ، وإن أراد دخولها للتجارة أو طلب غريم له فله فيه قولان : في أحد قوليه " لا يلزمه الإحرام " ; لأن الإحرام غير مقصود لعينه بل لأداء النسك به ، وهذا الرجل غير قاصد أداء النسك فكان الحرم في حقه كسائر البقاع فكان له أن يدخلها بغير إحرام ، فأما عندنا ليس لأحد ينتهي إلى الميقات إذا أراد دخول مكة أن يجاوزها إلا بالإحرام سواء كان من قصده الحج أو القتال أو التجارة لحديث ابن شريح الخزاعي رضي الله تعالى عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم الفتح إن مكة حرام حرمها الله تعالى يوم خلق السموات والأرض لم تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي ، وإنما أحلت لي ساعة من نهار ، ثم هي حرام إلى يوم القيامة } فقد ترخص للقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال { إنما أحلت لي ساعة } فلا تحل لأحد بعده فيتبين بهذا الحديث خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بدخول مكة للقتال بغير إحرام ، وإنما تظهر الخصوصية إذا لم يكن لغيره أن يصنع كصنيعه . وجاء رجل إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، فقال : إني جاوزت الميقات من غير إحرام ، فقال : ارجع إلى الميقات ولب وإلا فلا حج لك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { لا يجاوز الميقات أحد إلا محرما } ولأن وجوب الإحرام على من يريد الحج والعمرة عند دخول مكة لإظهار شرف تلك البقعة ، وفي هذا المعنى من يريد النسك ومن لا يريد النسك سواء فليس لأحد ممن يريد دخول مكة أن يجاوز الميقات إلا محرما ، فأما من كان وراء الميقات إلى مكة فله أن يدخلها لحاجته بغير إحرام عندنا ، وفي أحد قولي الشافعي رحمه الله تعالى ليس له ذلك فإنه لا يفرق على أحد القولين [ ص: 168 ] بين أهل الميقات وأهل الآفاق في أنه لا يدخل أحد منهم مكة إلا محرما ، وحجتنا في ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم { رخص للحطابين أن يدخلوا مكة بغير إحرام } .

والظاهر أنهم لا يجاوزون الميقات فدل أن كل من كان داخل الميقات له أن يدخل مكة بغير إحرام وابن عمر رضي الله عنه خرج من مكة يريد المدينة فلما انتهى إلى قديد بلغته فتنة بالمدينة فرجع إلى مكة ودخلها بغير إحرام وكان المعنى فيه أن من كان داخل الميقات فهو بمنزلة أهل مكة ; لأنه محتاج إلى الدخول في كل وقت ، ولأن مصالحهم متعلقة بأهل مكة ومصالح أهل مكة متعلقة بهم بهم فكما يجوز لأهل مكة أن يخرجوا لحوائجهم ، ثم يدخلوها بغير إحرام فكذا لأهل الميقات ، وهذا لأنا لو ألزمناهم الإحرام في كل وقت كان عليهم من الضرر ما لا يخفى فربما يحتاجون إليه في كل يوم فلهذا جوزنا لهم الدخول بغير إحرام إلا إذا أرادوا النسك فالنسك لا يتأدى إلا بإحرام ، وإرادة النسك لا تكون عند كل دخول ، وإذا أراد الإحرام وأهله في الوقت أو دون الوقت إلى مكة فوقته من أهله حتى لو أحرموا من الحرم أجزأهم ، وليس عليهم شيء ; لأن خارج الحرم كله بمنزلة مكان واحد في حقه والحرم حد في حقه بمنزلة الميقات في حق أهل الآفاق ، وكما أن ميقات الآفاقي للإحرام من دويرة أهله ويسعه التأخير إلى الميقات فكذا هنا يسعه التأخير إلى الحرم ، ولكن الشرط هناك أن لا يجاوز الميقات إلا محرما والشرط هنا أن لا يدخل الحرم إلا محرما ; لأن تعظيم الحرم بهذا يحصل ، فإن دخل مكة قبل أن يحرم فأحرم منها فعليه أن يخرج من الحرم فيلبي فإن لم يفعل حتى يطوف بالبيت فعليه دم ; لأنه ترك الميقات المعهود في حقه للإحرام فهو بمنزلة الآفاقي يجاوز الميقات بغير إحرام ، ثم يحرم وراء الميقات ، وهناك يلزمه الدم إذا لم يعد لتأخير الإحرام عن مكانه فكذلك هنا يلزمه الدم إذا لم يعد إلى الحل ، وإن عاد فالخلاف فيه مثل الخلاف في الآفاقي إذا عاد إلى الميقات بعد ما أحرم وراء الميقات على ما نبينه بعد هذا إن شاء الله تعالى

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث