الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون ( 69 ) الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون ( 70 ) إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون ( 71 ) في الحميم ثم في النار يسجرون ( 72 ) ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون ( 73 ) من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين ( 74 ) ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون ( 75 ) ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ( 76 ) )

يقول تعالى : ألا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذبين بآيات الله ، ويجادلون في الحق والباطل ، كيف تصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال ، ( الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا ) أي : من الهدى والبيان ، ( فسوف يعلمون ) هذا تهديد شديد ، ووعيد أكيد ، من الرب ، جل جلاله لهؤلاء ، كما قال تعالى : ( ويل يومئذ للمكذبين ) [ المرسلات : 15 ] .

وقوله : ( إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ) أي : متصلة بالأغلال ، بأيدي الزبانية يسحبونهم على وجوههم ، تارة إلى الحميم وتارة إلى الجحيم ; ولهذا قال : ( يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون ) ، كما قال : ( هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن ) [ الرحمن : 43 ، 44 ] . وقال بعد ذكره أكلهم الزقوم وشربهم الحميم : ( ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ) [ الصافات : 68 ] وقال ( وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال . في سموم وحميم . وظل من يحموم . لا بارد ولا كريم ) إلى أن قال : ( ثم إنكم أيها الضالون المكذبون . لآكلون من شجر من زقوم . فمالئون منها البطون . فشاربون عليه من الحميم . فشاربون شرب الهيم . هذا نزلهم يوم الدين ) [ الواقعة : 41 - 56 ] . وقال ( إن شجرة الزقوم . طعام الأثيم . كالمهل يغلي في البطون . كغلي الحميم . خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم . ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم . ذق إنك أنت العزيز الكريم . إن هذا ما كنتم به تمترون ) [ الدخان : 43 - 50 ] ، [ ص: 158 ] أي : يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ ، والتحقير والتصغير ، والتهكم والاستهزاء بهم .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أحمد بن منيع ، حدثنا منصور بن عمار ، حدثنا بشير بن طلحة الخزامي ، عن خالد بن دريك ، عن يعلى بن منية - رفع الحديث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - قال : " ينشئ الله سحابة لأهل النار سوداء مظلمة ، ويقال : يا أهل النار ، أي شيء تطلبون ؟ فيذكرون بها سحاب الدنيا فيقولون : نسأل برد الشراب ، فتمطرهم أغلالا تزيد في أغلالهم ، وسلاسل تزيد في سلاسلهم ، وجمرا يلهب النار عليهم " . هذا حديث غريب .

وقوله : ( ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون . من دون الله ) أي : قيل لهم : أين الأصنام التي كنتم تعبدونها من دون الله ؟ هل ينصرونكم اليوم ؟ ( قالوا ضلوا عنا ) أي : ذهبوا فلم ينفعونا ، ( بل لم نكن ندعو من قبل شيئا ) أي : جحدوا عبادتهم ، كقوله تعالى : ( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ) [ الأنعام : 23 ] ; ولهذا قال : ( كذلك يضل الله الكافرين ) .

وقوله : ( ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون ) أي : تقول لهم الملائكة : هذا الذي أنتم فيه جزاء على فرحكم في الدنيا بغير الحق ، ومرحكم وأشركم وبطركم ، ( ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ) أي : فبئس المنزل والمقيل الذي فيه الهوان والعذاب الشديد ، لمن استكبر عن آيات الله ، واتباع دلائله وحججه .

التالي السابق


الخدمات العلمية