الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 262 ] سورة الأنبياء فيها ثلاث آيات

الآية الأولى قوله تعالى : { قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون } . فيها أربع مسائل :

المسألة الأولى : روى الأئمة عن أبي هريرة وغيره ، واللفظ له قال النبي صلى الله عليه وسلم : { لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث : قوله : إني سقيم ، ولم يكن سقيما ، وقوله لسارة : أختي ; وقوله تعالى : { بل فعله كبيرهم هذا } } . وثبت أيضا في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات : ثنتين منها في ذات الله ، قوله : { إني سقيم } وقوله : { بل فعله كبيرهم هذا } وبينما هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل : إن هاهنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس ، فأرسل إليه ، فسأله عنها ، فقال : من هذه ؟ قال : أختي . فأتى سارة فقال : يا سارة ، ليس على وجه الأرض مؤمن غيري [ ص: 263 ] وغيرك ، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي ، فلا تكذبينني . فأرسل إليها فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده ، فأخذ ، فقال : ادعي الله لي ولا أضرك ، فدعت الله ، فأطلق . ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد . فقال : ادعي الله لي ولا أضرك ، فأطلق ، فدعا بعض حجبته فقال : لم تأتني بإنسان ، إنما أتيتني بشيطان ، فأخدمها هاجر } .

المسألة الثانية : قوله تعالى : { بل فعله كبيرهم هذا } اختلف الناس في ظاهر المقصود به ، فمنهم من قال : هذا تعريض ، وفي التعاريض مندوحة عن الكذب . ومنهم من قال : بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون ; فشرط النطق في الفعل . والأول أصح : لأنه عدده على نفسه ، فدل على أنه خرج مخرج التعريض ، وذلك أنهم كانوا يعبدونهم ويتخذونهم آلهة دون الله ، وهم كما قال إبراهيم لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ؟ فقال إبراهيم : بل فعله كبيرهم هذا ، ليقولوا إنهم لا ينطقون ولا يفعلون ولا ينفعون ولا يضرون ، فيقول لهم : فلم تعبدون ؟ فتقوم الحجة عليهم منهم . ولهذا يجوز عند الأئمة فرض الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحق من ذات نفسه ، فإنه أقرب في الحجة وأقطع للشبهة ، كما قال لقومه : هذا ربي ، على معنى الحجة عليهم ، حتى إذا أفل منهم تبين حدوثه ، واستحالة كونه إلها .

المسألة الثالثة : قوله : هذا ربي ، هذه أختي ، وإني سقيم ، وبل فعله كبيرهم : هذه وإن كانت معاريض وحسنات ، وحججا في الحق ، ودلالات ، لكنها أثرت في الرتبة ، وخفضت عن محمد من المنزلة ، واستحيا منها قائلها على ما ورد في حديث الشفاعة ; لأن الذي كان يليق بمرتبته في النبوة والخلة أن يصدع بالحق ، ويصرح بالأمر فيكون ما كان ، ولكنه رخص له فقبل الرخصة ، فكان ما كان من القصة ، ولهذا جاء في حديث الشفاعة : [ ص: 264 ] { إنما اتخذت خليلا من وراء وراء } يعني بشرط أن تتبع عثراتي ، وتختبر أحوالي ، والخلة المطلقة لمحمد ; لأنه قال له : { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } ، ولذلك تقول العرب في أمثالها : ابغني من ورائي ، أي اختبر حالي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث