الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل الإنفاق على الأقارب من أهل الكفر

151 - فصل

[ الإنفاق على الأقارب من أهل الكفر ] .

فإن قيل : فما تقولون في وجوب الإنفاق على الأقارب مع اختلاف الدين ؟ لقوله تبارك وتعالى : ( وعلى الوارث مثل ذلك ) ، واختلاف الدين يمنع الميراث .

قيل : أما الأقارب مطلقا فلا تجب نفقتهم مع اختلاف الدين ، وأما عمود النسب ففيهم روايتان :

إحداهما : لا تجب نفقتهم لذلك .

والثانية : تجب لتأكد قرابتهم بالعصبة .

وحكى بعض الأصحاب في وجوب نفقة الأقارب مطلقا - مع اختلاف الدين - أنه إن منع وجوب الإنفاق منع في سائر الأقارب ، وإن لم [ ص: 792 ] يكن مانعا لم يمنع في حق قرابة الكلالة ، كالرق ، والغنى .

فأما أن يكون مانعا في قرابة دون قرابة فلا وجه له ، ولا يصح التعليل بتأكد القرابة ؛ لأن الأخ والأخت أقرب من أولاد البنات .

والذي يقوم عليه الدليل وجوب الإنفاق ، وإن اختلف الدينان ، لقوله تعالى : ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ) ( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ) ، وليس من الإحسان ولا من المعروف ترك أبيه وأمه في غاية الضرورة ، والفاقة ، وهو في غاية الغنى ، وقد ذم الله - تبارك وتعالى - قاطعي الرحم ، وعظم قطيعتها ، وأوجب حقها وإن كانت كافرة ، قال تعالى : ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) ، وقال تعالى : ( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) ، وفي الحديث : " لا يدخل الجنة قاطع رحم " ، " والرحم معلقة بساق العرش تقول : يا رب ، صل من وصلني ، واقطع من قطعني " ، وليس من صلة الرحم ترك القرابة تهلك جوعا ، وعطشا ، وعريا ، وقريبه من أعظم الناس مالا ، وصلة الرحم واجبة وإن كانت لكافر ، فله دينه وللواصل دينه .

[ ص: 793 ] وقياس النفقة على الميراث قياس فاسد فإن الميراث مبناه على النصرة ، والموالاة بخلاف النفقة فإنها صلة ومواساة من حقوق القرابة ، وقد جعل الله للقرابة حقا - وإن كانت كافرة - فالكفر لا يسقط حقوقها في الدنيا ، قال الله تعالى : ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم ) .

وكل من ذكر في هذه الآية فحقه واجب وإن كان كافرا ، فما بال ذي القربى وحده يخرج من جملة من وصى الله بالإحسان إليه ؟ ورأس الإحسان الذي لا يجوز إخراجه من الآية هو الإنفاق عليه عند ضرورته ، وحاجته ، وإلا فكيف يوصى بالإحسان إليه في الحالة التي لا يحتاج إلى الإحسان ، ولا يجب له الإحسان أحوج ما كان إليه ؟ والله - سبحانه وتعالى - حرم قطيعة الرحم ، وإن كانت كافرة ، وترك رحمه يموت جوعا ، وعطشا ، وهو من أغنى الناس ، وأقدرهم على دفع ضرورته أعظم قطيعة .

فإن قيل : فهل تقولون بدفع الزكوات والكفارات إليه ؟

قيل : إن كان في المسألة إجماع معلوم لم يجز مخالفتهم ، وإن لم يكن فيها إجماع احتاج القول بعدم الجواز إلى دليل .

والفرق بين الزكاة ، والنفقة أن الزكاة حق الله ، فرضها على الأغنياء تصرف في جهات معينة ، وهي عبادة يشترط لها النية ولا تؤدى بفعل الغير ، ولا تسقط بمضي الزمان ، ولا تجوز على رقيقه ، وبهائمه ، والنفقة بخلاف [ ص: 794 ] ذلك ، فقياس أحد البابين على الآخر قياس فاسد ، ثم يقال : إن لم يكن بينهما فرق ولا إجماع فالحق التسوية ، وإن كان بينهما فرق امتنع الإلحاق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث