الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          . 164 - مسألة : وأكل لحوم الإبل نيئة ومطبوخة أو مشوية عمدا وهو يدري أنه لحم جمل أو ناقة فإنه ينقض الوضوء ، ولا ينقض الوضوء أكل شحومها محضة ولا أكل شيء منها غير لحمها ، فإن كان يقع على بطونها أو رءوسها أو أرجلها اسم لحم عند العرب نقض أكلها الوضوء وإلا فلا ، ولا ينقض الوضوء كل شيء مسته النار غير ذلك ، وبهذا يقول أبو موسى الأشعري وجابر بن سمرة ، ومن الفقهاء أبو خيثمة زهير بن حرب ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه . حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو كامل الفضيل بن حسين الجحدري والقاسم بن زكريا ، قال الفضيل ثنا أبو عوانة عن عثمان بن عبد الله بن موهب وقال القاسم حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن عثمان بن عبد الله بن موهب وأشعث بن أبي الشعثاء كلاهما عن جعفر بن أبي ثور عن جابر بن سمرة قال { سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أأتوضأ من لحوم الغنم ؟ قال : إن شئت فتوضأ ، وإن شئت فلا تتوضأ ، قال : أتوضأ من لحوم الإبل ؟ قال : نعم فتوضأ من لحوم الإبل } . [ ص: 226 ] وحدثنا يحيى بن عبد الرحمن ثنا أحمد بن سعيد بن حزم ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا أبي ثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان الثوري عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال { سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنتوضأ من لحوم الإبل ، قال : نعم } . قال أبو محمد : عبد الله بن عبد الله الرازي أبو جعفر قاضي الري ثقة .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : وقد مضى الكلام في الفصل الذي قبل هذا في إبطال قول من تعلل في رد السنن بأن هذا مما تعظم به البلوى ، وإبطال قول من قال : لعل هذا الوضوء غسل اليد ، فأغنى عن إعادته ، ولو أن المعترض بهذا ينكر على نفسه القول بالوضوء من القهقهة في الصلاة ولا يرى فيها الوضوء في غير الصلاة - : لكان أولى به . وأما الوضوء مما مست النار ، فإنه قد صحت في إيجاب الوضوء منه أحاديث ثابتة من طريق عائشة وأم حبيبة أمي المؤمنين وأبي أيوب وأبي طلحة وأبي هريرة وزيد بن ثابت رضي الله عنهم ، وقال به كل من ذكرنا وابن عمر وأبو موسى الأشعري وأنس بن مالك وأبو مسعود ، وجماعة من التابعين منهم أهل المدينة جملة وسعيد بن المسيب وأبو ميسرة وأبو مجلز ويحيى بن يعمر والزهري وستة من أبناء النقباء من الأنصار والحسن البصري وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز ومعمر وأبو قلابة وغيرهم ، ولولا أنه منسوخ لوجب القول به . كما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا عمرو بن منصور ثنا علي بن عياش ثنا شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر قال سمعت جابر بن عبد الله قال : { كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار } فصح نسخ تلك الأحاديث ولله الحمد .

                                                                                                                                                                                          قال علي : وقد ادعى قوم أن هذا الحديث مختصر من الحديث الذي حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود ثنا إبراهيم بن الحسن الخثعمي ثنا حجاج قال : قال ابن جريج أخبرني محمد بن المنكدر سمعت جابر بن عبد الله يقول { قرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم خبز ولحم فأكل ثم دعا بوضوء فتوضأ به [ ص: 227 ] ثم صلى الظهر ثم دعا بفضل طعامه فأكل ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ } قال أبو محمد : القطع بأن ذلك الحديث مختصر من هذا قول بالظن ، والظن أكذب الحديث بل هما حديثان كما وردا .

                                                                                                                                                                                          قال علي : وأما كل حديث احتج به من لا يرى الوضوء مما مست النار من { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة ولم يتوضأ } ونحو ذلك - : فلا حجة لهم فيه لأن أحاديث إيجاب الوضوء هي الواردة بالحكم الزائدة على هذه التي هي موافقة لما كان الناس عليه قبل ورود الأمر بالوضوء مما مست النار ، ولولا حديث شعيب بن أبي حمزة الذي ذكرنا لما حل لأحد ترك الوضوء مما مست النار . قال أبو محمد : فإن قيل : لم خصصتم لحوم الإبل خاصة من جملة ما نسخ من الوضوء مما مست النار ؟ قلنا : لأن الأمر الوارد بالوضوء من لحوم الإبل إنما هو حكم فيها خاصة ، سواء مستها النار أو لم تمسها النار ، فليس مس النار إياها - إن طبخت - يوجب الوضوء منها ، بل الوضوء واجب منها كما هي ، فحكمها خارج عن الأخبار الواردة بالوضوء مما مست النار ، وبنسخ الوضوء منه ، وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          وأما أكلها بنسيان أو بغير علم أنه من لحوم الإبل فقد ذكرنا قول الله تعالى : { ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به } فمن فعل شيئا عن غير قصد فسواء ذلك وتركه إلا أن يأتي نص في إيجاب حكم النسيان فيوقف عنده ، وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية