الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " عفا الله عما سلف "

القول في تأويل قوله ( عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه )

قال أبو جعفر : يقول جل من قائل لعباده المؤمنين به وبرسوله - صلى الله عليه وسلم - : عفا الله ، أيها المؤمنون ، عما سلف منكم في جاهليتكم ، من إصابتكم الصيد وأنتم حرم ، و قتلكموه ، فلا يؤاخذكم بما كان منكم في ذلك قبل تحريمه إياه عليكم ، ولا يلزمكم له كفارة في مال ولا نفس . ولكن من عاد منكم لقتله وهو محرم ، [ ص: 48 ] بعد تحريمه بالمعنى الذي كان يقتله في حال كفره ، وقبل تحريمه عليه ، من استحلاله قتله ، فينتقم الله منه .

وقد يحتمل أن يكون معناه : من عاد لقتله بعد تحريمه في الإسلام ، فينتقم الله منه في الآخرة . فأما في الدنيا ، فإن عليه من الجزاء والكفارة فيها ما بينت .

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك .

فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه .

ذكر من قال ذلك :

12636 - حدثنا هناد قال : حدثنا ابن أبي زائدة قال : أخبرنا ابن جريج قال : قلت لعطاء : ما " عفا الله عما سلف " ؟ قال : عما كان في الجاهلية . قال قلت : ما " ومن عاد فينتقم الله منه " ؟ قال : من عاد في الإسلام ، فينتقم الله منه . وعليه مع ذلك الكفارة .

12637 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا أبو عاصم قال : أخبرنا ابن جريج قال : قلت لعطاء ، فذكر نحوه وزاد فيه ، وقال : وإن عاد فقتل ، عليه الكفارة . قلت : هل في العود من حد يعلم؟ قال : لا قلت : فترى حقا على الإمام أن يعاقبه؟ قال : هو ذنب أذنبه فيما بينه وبين الله ، ولكن يفتدي .

12638 - حدثنا سفيان قال : حدثنا محمد بن بكر وأبو خالد ، عن ابن جريج ، عن عطاء : " ومن عاد فينتقم الله منه " قال : في الإسلام ، وعليه مع ذلك الكفارة . قلت : عليه من الإمام عقوبة؟ قال : لا . [ ص: 49 ]

12639 - حدثنا هناد قال : حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء : " عفا الله عما سلف " عما كان في الجاهلية " ومن عاد " قال : في الإسلام " فينتقم الله منه " وعليه الكفارة . قال قلت لعطاء : فعليه من الإمام عقوبة؟ قال : لا .

12640 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : يحكم عليه في الخطأ والعمد والنسيان ، وكلما أصاب ، قال الله عز وجل : عفا الله عما سلف ، قال : ما كان في الجاهلية ومن عاد فينتقم الله منه ، مع الكفارة قال سفيان ، قال ابن جريج : فقلت : أيعاقبه السلطان؟ قال : لا .

12641 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا محمد بن بكر وأبو خالد ، عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : " عفا الله عما سلف " قال : عما كان في الجاهلية .

12642 - حدثني يعقوب قال : حدثنا هشيم ، عن أبي بشر ، عن عطاء بن أبي رباح أنه قال : يحكم عليه كلما عاد .

12643 - حدثنا هناد قال : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد قال : كلما أصاب المحرم الصيد ناسيا حكم عليه .

12644 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال : حدثنا فضيل بن عياض ، عن منصور ، عن إبراهيم قال : كلما أصاب الصيد المحرم حكم عليه .

12645 - حدثنا عمرو بن علي قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء قال : من قتل الصيد ثم عاد ، حكم عليه .

12646 - حدثنا عمرو قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن داود بن أبي هند ، عن سعيد بن جبير قال : يحكم عليه ، أفيخلع! أفيترك! . [ ص: 50 ]

12647 - حدثنا عمرو قال : حدثنا عبد الوهاب قال : حدثنا داود بن أبي هند ، عن سعيد بن جبير : الذي يصيب الصيد وهو محرم فيحكم عليه ثم يعود؟ قال : يحكم عليه .

12648 - حدثنا عمرو قال : حدثنا كثير بن هشام قال : حدثنا الفرات بن سلمان ، عن عبد الكريم ، عن عطاء قال : يحكم عليه كلما عاد .

وقال آخرون : معنى ذلك : عفا الله عما سلف منكم في ذلك في الجاهلية ، ومن عاد في الإسلام فينتقم الله منه ، بإلزامه الكفارة .

ذكر من قال ذلك :

12649 - حدثني ابن البرقي قال : حدثنا عمرو ، عن زهير ، عن سعيد بن جبير وعطاء في قول الله - تعالى ذكره - : " ومن عاد فينتقم الله منه " قالا " ينتقم الله " يعني بالجزاء " عفا الله عما سلف " في الجاهلية .

وقال آخرون في ذلك : عفا الله عما سلف من قتل من قتل منكم الصيد حراما في أول مرة . ومن عاد ثانية لقتله بعد أولى حراما ، فالله ولي الانتقام منه ، دون كفارة تلزمه لقتله إياه .

ذكر من قال ذلك :

12650 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني [ ص: 51 ] معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : من قتل شيئا من الصيد خطأ وهو محرم ، حكم عليه فيه مرة واحدة . فإن عاد يقال له : " ينتقم الله منك " كما قال الله عز وجل .

12651 - حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي قال : حدثنا فضيل بن عياض ، عن هشام ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال . إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه . فإن عاد ، لم يحكم عليه ، وكان ذلك إلى الله عز وجل ، إن شاء عاقبه ، وإن شاء عفا عنه . ثم قرأ هذه الآية : " ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام " .

12652 - حدثنا هناد قال : حدثنا يحيى بن أبي زائدة قال : حدثنا داود ، عن عامر قال : جاء رجل إلى شريح فقال : إني أصبت صيدا وأنا محرم! فقال : هل أصبت قبل ذلك شيئا؟ قال : لا . قال : لو قلت " نعم " وكلتك إلى الله يكون هو ينتقم منك ، إنه عزيز ذو انتقام! قال داود : فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال : بل يحكم عليه ، أفيخلع !

12653 - حدثني أبو السائب وعمرو بن علي قالا حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم قال : إذا أصاب الرجل الصيد وهو محرم ، قيل له أصبت صيدا قبل هذا؟ فإن قال : " نعم " قيل له : اذهب ، فينتقم الله منك! وإن قال " لا " حكم عليه .

12654 - حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن سليمان ، عن إبراهيم ، في الذي يقتل الصيد ثم يعود ، قال : كانوا يقولون : من عاد لا يحكم عليه ، أمره إلى الله عز وجل .

12655 - حدثنا عمرو قال : حدثنا ابن عيينة ، عن داود بن أبي هند ، [ ص: 52 ] عن الشعبي : أن رجلا أتى شريحا فقال : أصبت صيدا؟ ، قال : أصبت قبله صيدا؟ قال : لا . قال : أما إنك لو قلت " نعم " لم أحكم عليك .

12656 - حدثنا عمرو قال : حدثنا ابن أبي عدي قال : حدثنا داود ، عن الشعبي ، عن شريح مثله .

12657 - حدثنا عمرو قال : حدثنا أبو عاصم ، عن الأشعث ، عن محمد ، عن شريح ، في الذي يصيب الصيد قال : يحكم عليه ، فإن عاد انتقم الله منه .

12658 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا حكام بن سلم ، عن عنبسة ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير : ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم ، قال : يحكم عليه في العمد مرة واحدة ، فإن عاد لم يحكم عليه ، وقيل له : " اذهب ينتقم الله منك " ويحكم عليه في الخطأ أبدا .

12659 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن خصيف ، عن سعيد بن جبير قال : رخص في قتل الصيد مرة ، فمن عاد لم يدعه الله - تعالى ذكره - حتى ينتقم منه .

12660 - حدثنا هناد قال : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن خصيف ، عن سعيد بن جبير مثله .

12661 - حدثنا عمرو بن علي قال : حدثنا يحيى بن سعيد وابن أبي عدي ، جميعا عن هشام ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، فيمن أصاب صيدا فحكم عليه ، ثم أعاد ، قال : لا يحكم ، ينتقم الله منه .

12662 - حدثنا عمرو قال : حدثنا ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : إنما قال الله عز وجل : " ومن قتله منكم متعمدا " يقول : متعمدا لقتله ، ناسيا لإحرامه ، فذلك الذي يحكم عليه ، فإن عاد لا يحكم عليه ، وقيل له : " ينتقم الله منك " .

12663 - حدثنا عمرو قال : حدثنا كثير بن هشام قال : حدثنا الفرات [ ص: 53 ] بن سلمان ، عن عبد الكريم ، عن مجاهد : إن عاد لم يحكم عليه ، وقيل له : " ينتقم الله منك " .

12664 - حدثنا عمرو قال : حدثنا يحيى بن سعيد قال : حدثنا الأشعث ، عن الحسن ، في الذي يصيب الصيد فيحكم عليه ثم يعود ، قال : لا يحكم عليه .

وقال آخرون : معنى ذلك : عفا الله عما سلف من قتلكم الصيد قبل تحريم الله - تعالى ذكره - ذلك عليكم . ومن عاد لقتله بعد تحريم الله إياه عليه ، عالما بتحريمه ذلك عليه ، عامدا لقتله ، ذاكرا لإحرامه ، فإن الله هو المنتقم منه ، ولا كفارة لذنبه ذلك ، ولا جزاء يلزمه له في الدنيا .

ذكر من قال ذلك :

12665 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " ومن عاد فينتقم الله منه " قال : من عاد بعد نهي الله - بعد أن يعرف أنه محرم ، وأنه ذاكر لحرمه - لم ينبغ لأحد أن يحكم عليه ، ووكلوه إلى نقمة الله عز وجل . فأما الذي يتعمد قتل الصيد وهو ناس لحرمه ، أو جاهل أن قتله محرم ، فهؤلاء الذين يحكم عليهم . فأما من قتله متعمدا بعد نهي الله ، وهو يعرف أنه محرم ، وأنه حرام ، فذلك يوكل إلى نقمة الله ، فذلك الذي جعل الله عليه النقمة .

وهذا شبيه بقول مجاهد الذي ذكرناه قبل . [ ص: 54 ]

وقال آخرون : عني بذلك شخص بعينه .

ذكر من قال ذلك :

12666 - حدثنا عمرو بن علي قال : حدثنا معتمر بن سليمان قال : حدثنا زيد أبو المعلى : أن رجلا أصاب صيدا وهو محرم ، فتجوز له عنه . ثم عاد ، فأرسل الله عليه نارا فأحرقته ، فذلك قوله : " ومن عاد فينتقم الله منه " قال : في الإسلام .

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا ، قول من قال : معناه : " ومن عاد في الإسلام لقتله بعد نهي الله - تعالى ذكره - عنه ، فينتقم الله منه ، وعليه مع ذلك الكفارة " لأن الله عز وجل إذ أخبر أنه ينتقم منه ، لم يخبرنا وقد أوجب عليه في قتله الصيد عمدا ما أوجب من الجزاء أو الكفارة بقوله : " ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم " أنه قد أزال عنه الكفارة في المرة الثانية والثالثة ، بل أعلم عباده ما أوجب من الحكم على قاتل الصيد من المحرمين عمدا ، ثم أخبر أنه منتقم ممن عاد ، ولم يقل : " ولا كفارة عليه في الدنيا " .

فإن ظن ظان أن الكفارة مزيلة العقاب ، ولو كانت الكفارة لازمة له في الدنيا ، لبطل العقاب في الآخرة ، فقد ظن خطأ . وذلك أن الله عز وجل أن يخالف بين عقوبات معاصيه بما شاء وأحب ، فيزيد في عقوبته على بعض معاصيه مما ينقص من بعض ، وينقص من بعض مما يزيد في بعض ، كالذي فعل من ذلك في مخالفته بين عقوبته الزاني البكر والزاني الثيب المحصن ، وبين سارق [ ص: 55 ] ربع دينار وبين سارق أقل من ذلك . فكذلك خالف بين عقوبته قاتل الصيد من المحرمين عمدا ابتداء ، وبين عقوبته عودا بعد بدء . فأوجب على البادئ المثل من النعم ، أو الكفارة بالإطعام ، أو العدل من الصيام ، وجعل ذلك عقوبة جرمه بقوله : " ليذوق وبال أمره " وجعل على العائد بعد البدء ، وزاده من عقوبته ما أخبر عباده أنه فاعل به من الانتقام ، تغليظا منه عز وجل للعود بعد البدء . ولو كانت عقوباته على الأشياء متفقة ، لوجب أن لا يكون حد في شيء ، مخالفا حدا في غيره ، ولا عقاب في الآخرة ، أغلظ من عقاب . وذلك خلاف ما جاء به محكم الفرقان .

وقد زعم بعض الزاعمين أن معنى ذلك : ومن عاد في الإسلام بعد نهي الله عن قتله لقتله بالمعنى الذي كان القوم يقتلونه في جاهليتهم ، فعفا لهم عنه عند تحريم قتله عليهم ، وذلك قتله على استحلال قتله . قال : فأما إذا قتله على غير ذلك الوجه وذلك أن يقتله على وجه الفسوق لا على وجه الاستحلال فعليه الجزاء والكفارة كلما عاد .

وهذا قول لا نعلم قائلا قاله من أهل التأويل . وكفى خطأ بقوله ، خروجه عن أقوال أهل العلم ، لو لم يكن على خطئه دلالة سواه ، فكيف وظاهر التنزيل ينبئ عن فساده؟ وذلك أن الله عز وجل عم بقوله : " ومن عاد فينتقم الله منه " كل عائد لقتل الصيد بالمعنى الذي تقدم النهي منه به في أول الآية ، ولم يخص به عائدا منهم دون عائد . فمن ادعى في التنزيل ما ليس في ظاهره ، كلف البرهان على دعواه من الوجه الذي يجب التسليم له .

وأما من زعم أن معنى ذلك : ومن عاد في قتله متعمدا بعد بدء لقتل تقدم منه في حال إحرامه ، فينتقم الله منه ، كان معنى قوله : " عفا الله عما سلف " [ ص: 56 ] إنما هو : عفا الله عما سلف من ذنبه بقتله الصيد بدءا فإن في قول الله - تعالى ذكره - : " ليذوق وبال أمره " دليلا واضحا على أن القول في ذلك غير ما قال : لأن العفو عن الجرم : ترك المؤاخذة به . ومن أذيق وبال جرمه ، فقد عوقب به . وغير جائز أن يقال لمن عوقب : " قد عفي عنه " . وخبر الله عز وجل أصدق من أن يقع فيه تناقض .

فإن قال قائل : وما تنكر أن يكون قاتل الصيد من المحرمين في أول مرة ، قد أذيق وبال أمره بما ألزم من الجزاء والكفارة ، وعفي له من العقوبة بأكثر من ذلك مما كان لله عز وجل أن يعاقبه به؟

قيل له : فإن كان ذلك جائزا أن يكون تأويل الآية عندك وإن كان مخالفا لقول أهل التأويل فما تنكر أن يكون الانتقام الذي أوعده الله - تعالى ذكره - على العود بعد البدء ، هو تلك الزيادة التي عفاها عنه في أول مرة ، مما كان له فعله به مع الذي أذاقه من وبال أمره ، فيذيقه في عوده بعد البدء وبال أمره الذي أذاقه المرة الأولى ويترك عفوه عما عفا عنه في البدء ، فيؤاخذه به؟ فلن يقول في ذلك شيئا إلا ألزم في الآخر مثله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث