الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الجرجاني قال : سمعت أبا بكر بن خزيمة ، يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، يقول : سمعت الشافعي ، يقول : حفظت الموطأ قبل أن آتي مالكا ، فلما أتيته قال لي : اطلب من يقرأ لك ، فقلت : لا ، عليك أن تستمع لقراءتي ، فإن أعجبتك ، وإلا طلبت من يقرأ ، فقال لي : اقرأ ، فقرأت عليه .

حدثنا محمد بن عبد الرحمن ، ثنا محمد بن يحيى المصري ، ثنا الربيع بن سليمان ، قال : سمعت الشافعي ، يقول : أتيت مالكا ، وقد حفظت الموطأ ، فقال لي : اطلب من يقرأ ، قلت : لا عليك أن تستمع قراءتي ، فإن خفت عليك ، وإلا طلبت من يقرأ لي فقال لي : اقرأ ، فقرأت لنفسي ، فكان الشافعي يقول : أخبرنا مالك .

حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، ثنا إسحاق بن أحمد الفارسي قال : سمعت محمد بن خالد ، يقول : سمعت الربيع ، يقول : سمعت الشافعي ، يقول : أتيت مالكا ، وأنا ابن اثنتي عشرة سنة : لأقرأ عليه الموطأ فاستصغرني فذكر مثله .

حدثنا محمد بن عبد الرحمن ، حدثني محمد بن الربيع بن سليمان الجيزي ، حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال : سمعت محمد بن إدريس الشافعي ، يقول : جئت مالك بن أنس ، فاستأذنت عليه فدخلت ، وكنت أريد أن أسمع منه حديث العقيقة ، فقلت : إن جعلته في أول خشيت أن سيبطله ، ولا يحدثني ، وإن جعلته في آخر خشيت أن لا يبلغه بعد عشرة أحاديث ، فأخذت أن أسأله عن [ ص: 70 ] حديث حديث ، فلما مرت عشرة قال : حسبك فلم أسمعه منه .

حدثنا محمد بن إبراهيم ، ثنا يوسف بن عبد الواحد بن سفيان قال : سمعت يونس بن عبد الأعلى ، يقول : سمعت الشافعي ، يقول : ما نظرت في موطأ مالك إلا ازددت فهما .

حدثنا أبو أحمد الغطريفي ، ثنا عبد الله بن جامع ، قال : سمعت يحيى بن عثمان بن صالح ، يقول : سمعت هارون بن سعيد ، يقول : سمعت الشافعي ، يقول : ما كتاب بعد كتاب الله أنفع من كتاب مالك بن أنس .

حدثنا محمد بن إبراهيم ، قال : سمعت أبا جعفر الطحاوي ، يقول : سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول : سمعت الشافعي ، يقول : لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز .

حدثنا محمد بن إبراهيم قال : سمعت عبد العزيز بن أبي رجاء ، يقول : سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول : سمعت الشافعي ، يقول : إذا جاء مالك فمالك كالنجم .

حدثنا عبد الله بن جعفر ، ثنا عبد الرحمن بن داود بن منصور ، ثنا عبيد بن خلف البزاز أبو محمد ، حدثني إسحاق بن عبد الرحمن ، قال : سمعت حسينا الكرابيسي ، يقول : سمعت الشافعي ، يقول : كنت امرأ أكتب الشعر فآتي البوادي فأسمع منهم ، قال : فقدمت مكة فخرجت منها ، وأنا أتمثل بشعر للبيد ، وأضرب وحشي قدمي بالسوط ، فضربني رجل من ورائي من الحجبة ، فقال : رجل من قريش ، ثم ابن المطلب رضي من دينه ودنياه أن يكون معلما ، ما الشعر ؟ هل الشعر إذا استحكمت فيه إلا قصدت معلما ؟ تفقه يعلمك الله ، قال : فنفعني الله بكلام ذلك الحجبي ، قال : ورجعت إلى مكة ، وكتبت من ابن عيينة ما شاء الله أن أكتب ، ثم كنت أجالس مسلم بن خالد الزنجي ، ثم قرأت على مالك بن أنس ، فكتبت موطأه ، فقلت له : يا أبا عبد الله ، أقرأ عليك ؟ قال : يا ابن أخي ، تأتي برجل يقرؤه علي فتسمع ، فقلت : أقرأ عليك فتسمع إلى كلامي ، فقال لي : اقرأ ، فلما سمع [ ص: 71 ] قراءتي أذن ، فقرأت عليه حتى بلغت كتاب السير ، فقال لي : اطوه يا ابن أخي ، تفقه تعل . قال : فجئت إلى مصعب بن عبد الله فكلمته أن يكلم بعض أهلنا فيعطيني شيئا من الدنيا فإنه كان بي من الفقر والفاقة ما الله به عليم ، فقال لي مصعب : أتيت فلانا فكلمته ، فقال لي : تكلمني في رجل كان منا فخالفنا ؟ قال : فأعطاني مائة دينار ، وقال لي مصعب : إن هارون الرشيد كتب إلي أن أصير إلى اليمن قاضيا ، فتخرج معنا لعل الله أن يعوضك ما كان من هذا الرجل يقرضك ؟ قال : فخرج قاضيا على اليمن وخرجت معه ، فلما صرنا باليمن وجالسنا الناس ، كتب مطرف بن مازن إلى هارون الرشيد : إن أردت اليمن لا يفسد عليك ولا يخرج من يديك فأخرج عنه محمد بن إدريس ، وذكر أقواما من الطالبيين ، قال : فبعث إلي حمادا العزيزي ، فأوثقت بالحديد ، حتى قدمنا على هارون قال : فأدخلت على هارون ، قال : فأخرجت من عنده ، قال : وقدمت ومعي خمسون دينارا ، قال : ومحمد بن الحسن يومئذ بالرقة ، قال : فأنفقت تلك الخمسين دينارا على كتبهم ، قال : فوجدت مثلهم ومثل كتبهم مثل رجل كان عندنا يقال له فروخ ، وكان يحمل الدهن في زق له ، فكان إذا قيل له : عندك فرشنان ؟ قال : نعم ، فإن قيل له : عندك زنبق ؟ قال : نعم ، فإن قيل : عندك حبر ؟ قال : نعم ، فإذا قيل له : أرني - وللزق رؤوس كثيرة - فيخرج له من تلك الرؤوس ، وإنما هي دهن واحد ، وكذلك وجدت كتاب أبي حنيفة ، إنما يقول : كتاب الله ، وسنة نبيه - عليه السلام - وإنما هم مخالفون له ، قال : فسمعت - ما لا أحصيه - محمد بن الحسن ، يقول : إن تابعكم الشافعي فما عليكم من حجازي كلفة بعده ، فجئت يوما فجلست إليه وأنا من أشد الناس هما وغما من سخط أمير المؤمنين ، وزادي قد نفد ، قال : فلما أن جلست إليه أقبل محمد بن الحسن يطعن على أهل دار الهجرة ، فقلت : على من تطعن ، على البلد أم على أهله ؟ والله لئن طعنت على أهله إنما تطعن على أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار ، وإن طعنت على البلدة فإنها بلدتهم التي دعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبارك لهم في صاعهم ومدهم ، وحرمه كما حرم إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - مكة ، لا يقتل صيدها ، على أيهم تطعن ؟ [ ص: 72 ] فقال : معاذ الله أن أطعن على أحد منهم أو على بلدته ، وإنما أطعن على حكم من أحكامه ، فقلت : ما هو ؟ فقال : اليمين مع الشاهد ، فقلت له : ولم طعنت ؟ قال : فإنه مخالف لكتاب الله ، فقلت له : فكل خبر يأتيك مخالفا لكتاب الله أتسقطه ؟ قال : فقال : كذا يجب ، فقلت له : ما تقول في الوصية للوالدين ؟ قال : فتفكر ساعة ، فقلت له : أجب ، فقال : لا تجب ، قال : فقلت له : هذا مخالف لكتاب الله ، لم قلت : إنه لا يجوز ؟ قال : فقال : لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا وصية للوالدين " قال : فقلت له : فأخبرني عن الشاهدين حتم من الله ؟ قال : فما تريد من ذا ؟ قال : فقلت له : لئن زعمت أن الشاهدين حتم من الله لا غير ، كان ينبغي لك أن تقول : إذا زنى زان فشهد عليه شاهدان إن كان محصنا رجمته وإن كان غير محصن جلدته ، قال : ليس هو حتما من الله ، قال : قلت له : إذا لم يكن حتما من الله فتنزل الأحكام منازلها ، في الزنا أربعا ، وفي غيره شاهدين ، وفي غيره رجلا وامرأتين ، وإنما أعني في القتل لا يجوز إلا بشاهدين ، فلما رأيت قتلا وقتلا - أعني بشهادة الزنا ، وأعني بشهادة القتل ، فكان هذا قتلا وهذا قتلا ، غير أن أحكامهما مختلفة ، فكذلك كل حكم أنزله الله منها بأربع ، ومنها بشاهدين ، ومنها برجل وامرأتين ، ومنها بشاهد واليمين ، فرأيتك تحكم بدون هذا ، قال : فقلت له : فما تقول في الرجل والمرأة إذا اختلفا في متاع البيت ؟ فقال : أصحابي يقولون فيه : ما كان للرجال فهو للرجال ، وما كان للنساء فهو للنساء ، قال : فقلت له : أبكتاب الله هذا أم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : فقلت له : فما تقول في الرجلين إذا اختلفا في الحائط ؟ قال : فقال : في قول أصحابنا إن لم يكن لهم بينة ننظر إلى العقد من أين هو إلينا ، فأحكم لصاحبه ، قال : فقلت : أبكتاب الله هذا أم بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : فما تقول في رجلين بينهما حص فيختلفان ، لمن تحكم إذا لم تكن لهم بينة ؟ قال : أنظر إلى معاقده من أي وجه هو ، فأحكم له ، قلت : بكتاب الله هذا أم بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : فقلت له : فما تقول في ولادة المرأة إذا لم يكن يحضرها إلا امرأة واحدة ، وهي القابلة ، ولم يكن غيرها ؟ فقال لي : الشهادة جائزة بشهادة القابلة وحدها نقبلها ، [ ص: 73 ] قال : فقلت له : هذا بكتاب الله أم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : ثم قلت له : أتعجب من حكم حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكم به أبو بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - وحكم به علي بن أبي طالب بالعراق ، وقضى وحكم به شريح ؟ قال : ورجل من ورائي يكتب ألفاظي ، وأنا لا أعلم ، قال : فأدخل على هارون ، وقرأه عليه ، قال : فقال هرثمة بن أعين - وكان متكئا فاستوى جالسا - فقال : اقرأه علي ثانيا ، قال : فأنشأ هارون يقول : صدق الله ورسوله ، صدق الله ورسوله ، صدق الله ورسوله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تعلموا من قريش ، ولا تعلموها ، قدموا قريشا ، ولا تقدموها " ما أنكر أن يكون محمد بن إدريس أعلم من محمد بن الحسن ، قال : فرضي عني وأمر لي بخمسمائة دينار ، قال : فخرج به هرثمة ، وقال لي بالشرط : هكذا ، فاتبعته ، فحدثني بالقصة ، وقال لي : قد أمر بخمسمائة دينار ، وقد أضفنا إليه مثله ، قال : فوالله ما ملكت قبلها ألف دينار إلا في ذاك الوقت ، قال : وكنت رجلا أستتبع فأغناني الله عز وجل على يدي مصعب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث