الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


باب الرمل في الطواف

حدثني يحيى عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف قال مالك وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا

التالي السابق


34 - باب الرمل في الطواف

أي في بعضه ، وبقاء مشروعيته عليه الجمهور .

وقال ابن عباس : ليس هو بسنة ، من شاء رمل ، ومن شاء لم يرمل ، وهو بفتح الراء ، والميم : الإسراع في المشي مع تقارب الخطا .

وقال ابن دريد : هو شبيه بالهرولة ، وأصله أن يحرك الماشي منكبيه في مشيته .

816 806 - ( مالك عن جعفر ) الصادق ( بن محمد ) فقيه صدوق إمام مات سنة ثمان وأربعين ومائة ، ( عن أبيه ) محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي الثقة الفاضل من سادات آل البيت ، ( عن جابر بن عبد الله ) الصحابي ابن الصحابي - رضي الله عنهما - ( أنه قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رمل ) بفتحتين في طواف القدوم كما في حديث ابن عمر : ( من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف ) وهي الأول .

ففي الصحيحين عن ابن عمر : " كان - صلى الله عليه وسلم - إذا طاف في الحج والعمرة أول ما يقدم ، فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ، ثم يمشي أربعة ، ثم يصلي سجدتين ، ثم يطوف بين الصفا والمروة " وفي رواية لهما : " كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا ، ومشى أربعا ، وكان يسعى ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة ، وكان ابن عمر يفعل ذلك ، فالرمل سنة في الثلاثة الأول ، فلو تركه فيها ولو عمدا ، لم يرمل فيما بقي كتارك السورة في الأوليين لا يقرأها في الأخيرتين ؛ لأن هيئة الطواف في الأربع الأخيرة السكينة فلا تغير ، ولا فرق في سنية الرمل بين ماش وراكب ، أو محمول لمرض أو صبي ، ولا دم بتركه عند الجمهور " ، وظاهر هذا الحديث استيعاب الرمل في جميع الطوفة .

وفي الصحيحين : عن ابن عباس : " قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، فقال المشركون أنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب ، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرملوا الأشواط الثلاثة ، وأن يمشوا ما بين الركنين ، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم " ، وهذا صريح في عدم الاستيعاب ، فيعارض حديث جابر ، وأجيب بأنه متأخر لكونه [ ص: 453 ] في حجة الوداع في سنة عشر ، فهو ناسخ لحديث ابن عباس في عمرة القضية سنة سبع ، وكان في المسلمين ضعف في البدن ، فرملوا إظهارا للقوة ، واحتاجوا إلى ذلك فيما عدا بين الركنين اليمانيين ، لأن المشركين كانوا جلوسا في الحجر فلا يرونهم بينهما ، فلما حج - صلى الله عليه وسلم - سنة عشر رمل من الحجر إلى الحجر ، فوجب الأخذ به لأنه الآخر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم .

وحديث الباب ، رواه مسلم عن القعنبي ، ويحيى عن مالك به ، ومن طريق ابن وهب ، عن مالك ، وابن جريج بلفظ : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رمل الثلاثة أطواف من الحجر إلى الحجر " ( قال مالك : وذلك الأمر الذي لم يزل ) أي استمر ( عليه أهل العلم ببلدنا ) ، وبه قال جميع العلماء من الصحابة والتابعين ، وأتباعهم ومن بعدهم ، ولم يخالف في ذلك إلا ابن عباس .

ففي مسلم ، وغيره عن أبي الطفيل : قلت لابن عباس : أرأيت هذا الرمل بالبيت ثلاثة أطواف ، ومشي أربعة أسنة هو ؟ فإن قومك يزعمون أنها سنة ، قال : صدقوا وكذبوا ، قلت : ما قولك صدقوا وكذبوا ؟ قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم مكة ، فقال المشركون : إن محمدا وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال ، وكانوا يحسدونه فأمرهم أن يرملوا ثلاثا ، ويمشوا أربعا ، أي صدقوا في أن المصطفى فعله ، وكذبوا في أنه سنة مقصودة ، لأنه لم يجعله سنة مطلوبة على تكرر السنين ، وإنما أمر به تلك السنة لإظهار القوة للكفار ، وقد زال ذلك المعنى " ، هذا معنى كلامه .

وكأن عمر بن الخطاب لحظ هذا المعنى ، ثم رجع عنه ، ففي الصحيحين أنه قال : " ما لنا والمرمل إنما كنا رأينا المشركين وقد أهلكهم الله ، ثم قال شيء صنعه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا نحب أن نتركه " ، زاد الإسماعيلي : " ثم رمل فهم بتركه لفقد سببه ، ثم رجع لاحتمال أنه له حكمة لم يطلع عليها فرأى الاتباع أولى " ، وقد يكون فعله باعثا على تذكر سببه فيذكر نعمة الله تعالى على إعزاز الإسلام وأهله ، ثم لا يشكل قوله رأينا ، مع أن الرؤيا بالعمل مذموم لأن صورته ، وإن كانت صورة الرياء لكنها ليست مذمومة ؛ لأن المذموم أن يظهر العمل ، ليقال : إنه عامل ، ولا يعمله إذا لم يره أحد ، وما وقع لهم إنما هو من المخادعة في الحرب ، لأنهم أوهموا المشركين أنهم أقوياء ، لئلا يطمعوا فيهم ، وقد صح : الحرب خدعة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث