الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ 3 ] باب الإيمان بالقدر

الفصل الأول

79 - عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ) قال : ( وكان عرشه على الماء ) رواه مسلم .

التالي السابق


[ 3 ] باب الإيمان بالقدر

هذا نوع تخصيص بعد تعميم ، أو ذكر جزئي بعد الكلي اهتماما به ، واعتناء باتصافه لما وقع فيه من الاختلاف الناشئ عن التحير في هذا الأمر الذي هو عظيم الشأن بين أهل الإيمان ، والقدر : بالفتح ، وتسكن ما يقدره الله تعالى من القضايا . قال في شرح السنة : الإيمان بالقدر فرض لازم ، وهو أن يعتقد أن الله تعالى خالق أعمال العباد خيرها ، وشرها ، وكتبها في اللوح المحفوظ قبل أن خلقهم ، والكل بقضائه وقدره ، وإرادته ، ومشيئته ، غير أنه يرضى الإيمان والطاعة ، ووعد عليهما الثواب ، ولا يرضى الكفر والمعصية وأوعد عليهما العقاب . والقدر : سر من أسرار الله تعالى لم يطلع عليها ملكا مقربا ، ولا نبيا مرسلا ، ولا يجوز الخوض فيه ، والبحث عنه بطريق العقل ، بل يجب أن يعتقد أن الله تعالى خلق الخلق فجعلهم فرقتين : فرقة خلقهم للنعيم فضلا ، وفرقة للجحيم عدلا ، وسأل رجل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : أخبرني عن القدر ؟ قال : طريق مظلم لا تسلكه ، وأعاد السؤال فقال : بحر عميق لا تلجه ، فأعاد السؤال فقال : سر الله قد خفي عليك فلا تفتشه ، ولله در من قال :


تبارك من أجرى الأمور بحكمه كما شاء لا ظلما أراد ، ولا هضما     فما لك شيء غير ما الله شاءه
فإن شئت طب نفسا وإن شئت مت كظما



الفصل الأول

79 - ( عن عبد الله بن عمرو ) : رضي الله عنهما ( قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( كتب الله مقادير الخلائق ) : جمع مقدار ، وهو الشيء الذي يعرف به قدر الشيء ، وكميته كالمكيال ، والميزان ، وقد يستعمل بمعنى القدر نفسه ، وهو الكمية ، والكيفية ( قبل أن يخلق السماوات ، والأرض ) : ومعنى كتب الله ؛ أجرى الله القلم على اللوح المحفوظ بإيجاد ما بينهما من التعلق ، وأثبت فيه مقادير الخلق ما كان ، وما هو كائن إلى الأبد على وفق ما تعلقت به إرادته أزلا كإثبات الكاتب ما في ذهنه بقلمه على لوحه ، وقيل : أمر الله القلم أن يثبت في اللوح ما سيوجد من الخلائق ذاتا وصفة ، وفعلا ، وخيرا ، وشرا على ما تعلقت به إرادته ، وحكمة ذلك إطلاع الملائكة على ما سيقع ليزدادوا بوقوعه إيمانا ، وتصديقا ، ويعلموا من يستحق المدح والذم فيعرفوا لكل مرتبته ، أو قدر وعين مقاديرهم تعيينا بتا لا يتأتى خلافه بالنسبة لما في علمه القديم المعبر عنه بأم الكتاب ، أو معلقا كأن يكتب في اللوح المحفوظ فلان يعيش عشرين سنة إن حج ، وخمسة عشر إن لم يحج ، وهذا هو الذي يقبل المحو والإثبات المذكورين في قوله تعالى : ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) أي : التي لا محو فيها ، ولا إثبات فلا يقع فيهما إلا ما يوافق ما أبرم [ ص: 148 ] فيها . كذا ذكره ابن حجر ، وفي كلامه خفاء إذ المعلق ، والمبرم كل منهما مثبت في اللوح غير قابل للمحو ، نعم المعلق في الحقيقة مبرم بالنسبة إلى علمه تعالى ، فتعبيره بالمحو إنما هو من الترديد الواقع في اللوح إلى تحقيق الأمر المبرم المبهم الذي هو معلوم في أم الكتاب ، أو محو أحد الشقين الذي ليس في علمه تعالى ، فتأمل فإنه دقيق ، وبالتحقيق حقيق . ( وقوله : ( بخمسين ألف سنة ) : معناه طول الأمد ما بين التقدير ، والخلق من المدد ، أو تقديره ببرهة من الدهر الذي يوم منه كألف سنة مما تعدون ، وهو الزمان ، أو من الزمان نفسه . فإن قلت : كيف يحمل على الزمان ، ولم يخلق الزمان ، ولا ما يتحدد به من الأيام ، والشهور ، والسنين ؟ قلت : يحمل الزمان حينئذ على مقدار حركة الفلك الأعظم الذي هو العرش ، وهو موجود حينئذ بدليل أنه ( قال ) أي : النبي - صلى الله عليه وسلم - ( وعرشه على الماء ) : وفي المصابيح : وكان عرشه على الماء يعني كان عرش الله قبل أن يخلق السماوات ، والأرض على وجه الماء ، والماء على متن الريح ، والريح على القدرة ، وهذا يدل على أن العرش ، والماء كانا مخلوقين قبل خلقهما ، وقيل ذلك الماء هو القلم ، وقيل : فيه دليل لمن زعم أن أول ما خلق الله في العالم الماء ، وإنما أوجد سائر الأجسام منه تارة بالتلطيف ، وتارة بالتكثيف . قال ابن حجر : اختلفت الروايات في أول المخلوقات ، وحاصلها كما بينتها في شرح شمائل الترمذي أن أولها النور الذي خلق منه - عليه الصلاة والسلام - ، ثم الماء ، ثم العرش ( رواه مسلم ) .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث