الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

التاريخ الأكبر والتاريخ الأصغر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

التاريخ الأكبر والتاريخ الأصغر

يرتكب أغلب المجادلين في حضارة الإسلام خطئا شائعا وهذا الخطأ أصبح كأنه الصواب، لكثرة ما شاع حتى انغرس في الأذهان، وتحول إلى (حقيقة) . إنه إقامة الحجة على الملتزمين بالنهج الإسلامي، بأن تاريخ الإسلام ما هـو إلا مسلسل استبداد، وسفك دماء، وانتهاك حقوق، منذ الفتنة الكبرى إلى عهد الخلافة العثمانية، أو حتى إلى يوم الناس. وهو تفسير أيديولوجي موجه للتاريخ، يستعمله عادة المستشرقون المغرضون، وتلامذتهم ومريدوهم من بني جلدتنا لإفحام خصومهم ومخالفيهم. ولكن على شدة ما استعمل هـذا المنطق، وعلى طول تكراره، تبناه معظم شبابنا عن حسن نية، واعتمدوه في كل جدل، كأنما اقتنعوا به، وإنك تعثر على أثره في كتبهم ومقالاتهم ودراساتهم، ومداخلاتهم، [ ص: 63 ] وهو منطق يبعث الريبة في نفوس المسلمين، ويزعزع إيمانهم، ويحدث شروخا في كبريائهم، ويجعلهم أذلة في اللقاءات والندوات والمناظرات.

وهكذا نجح أعداء الإسلام، في زلزلة الإيمان في قلوب الشباب، حينما يقدمون أمثلة الفتنة الكبرى ، ومقتل عثمان ، والحرب الطويلة بين على كرم الله وجهه، ومعاوية ، كأنها هـي الوجه الوحيد لفجر الإسلام، في حين يغفلون فتح مكة ، وملحمة الشورى في السقيفة ، وهزيمة البيزنطيين في فلسطين ، وانتصار الإسلام على الفرس في القادسية ، وفتح مصر على يد عمرو بن العاص ، والقضاء على الدولة الساسانية ، وفتح أرمينيا وجورجيا ، وانتصار المسلمين في البحر على الأسطول البيزنطي في معركة أم الصواري . كل هـذه الملاحم التي توشح صدر الإسلام في فجره وقعت فيما بين عام 632م، حين التحق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، وسنة 656م حين قتل عثمان بن عفان ، وتولى علي بن أبي طالب رضي الله عنهما . وهي الانتصارات التي تحققت للإسلام في مطلع شمسه، ووضع عبرها أقدامه على أرض يابسة من التمكن، حتى أتيح له ما جاء بعدها من فتوحات. وهذه الانتصارات الكبرى، نكاد لا نعثر لها على أثر في أغلب كتابات المؤرخين من مستشرقين وتلاميذ المستشرقين من العرب؛ لأن هـم هـؤلاء ليس إنصاف التاريخ الإسلامي، بل غرضهم الطعن فيه، وفي رجاله ومؤسسيه، واتخذوا لذلك خطة محكمة، وهي إبراز التاريخ الأصغر على حساب التاريخ الأكبر.

التاريخ الأصغر هـو تاريخ الصراع السياسي - الدموي أحيانا - من أجل القيادة والحكم.. والتاريخ الأكبر هـو ذلك المد الإسلامي العظيم الواثق الذي نبع كالنهر القوي الدافق من جهاد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وانطلق فاتحا الأمصار وهاديا الأمم، [ ص: 64 ] وحاملا أمانة السلام والعدل، ومؤمنا الشعوب المغايرة على حياتها ومعتقداتها وأملاكها وأعراضها.

التاريخ الأصغر هـو تاريخ الرجال كأشخاص يتقاتلون من أجل سدة الحكم وهم -مسلمين أو غير مسلمين- لا يعدون كونهم أفرادا لهم نفوس بشرية لم يعلن الله سبحانه، ولا الرسول صلى الله عليه وسلم ، أنها معصومة من الخطأ والزلل، وأنها منزهة عن الضعف والخلل، بل قال الله تبارك وتعالى: ( ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها ) (الشمس: 7- 8) .

ذلك هـو التاريخ الأصغر الذي تعلمته أجيال المسلمين، وحجب عنها رؤية نور التاريخ الأكبر. تاريخ الأمة بأكملها: كيف نشأت ؟ وكيف جاهدت ؟ وكيف فتحت ؟ وكيف انتصرت ؟ وكيف سادت؟

وهذه الملاحم العظمى الخالدة، بما فيها من شحنات تربوية، كان من المفترض أن نؤسس عليها كبرياء أمتنا، خلال القرون، وقع مع الأسف اختزالها، بل أريد لها كسوف كامل مثل كسوف الشمس وراء كوكب الفتنة الكبرى، وموقعة الجمل ( 656م ) .

وهذا مثال واحد من كامل مسلسل الغش والخديعة، الذي زيف تاريخنا وجاء من بعده مثال الصراع بين الدولة وخصومها، وهو من باب التاريخ الأصغر، حيث غطت القصص الأدبية الملفقة، التي حيكت عن يزيد والوليد ، على أولى انتصارات المسلمين في الهند ، وعبور جيحون إلى بلاد الترك (من 664م إلى 667م) ، والحدث الحاسم المتمثل في فتح المغرب الإسلامي ، وتأسيس القيروان (670م) وبدء حصار المسلمين لمدينة القسطنطينية ، قلعة النصرانية في المشرق ( 678م ) ، وضرب أول دينار عربي (695م) واستقرار [ ص: 65 ] مؤسسات الدولة الإسلامية الأموية على يدي عبد الملك بن مروان .

كل هـذه الأمجاد التى رسخت الإسلام، ووطدت أركانه، يمر عليها أغلب مؤرخينا مر الكرام، في حين تطفو على سطح كتبهم، ثورة المختار الثقفي بالعراق ( 685م ) ، وقصص استبداد الحجاج بن يوسف .

وهنا أيضا ينجح التحريف التاريخي والأيديولوجي ، في إسدال الحجب السميكة على انتصارات الأمة، بواسطة إبراز سلوك الأفراد. أي أن التاريخ الأكبر يضيع في دوامة التاريخ الأصغر.

وإن الذي يروم دراسة نهاية القرن الأول، وبداية القرن الثاني للهجرة ( بداية وأواسط الثامن المسيحي ) ليصطدم، بأن أخبار الوليد بن عبد الملك بن مروان ، وحاشيته، وقصره، تنشر سحابا سميكا على أحداث جليلة عملاقة منها فتح قتيبة بن مسلم لبخارى وسمرقند ، ومد السيادة الإسلامية على آسيا الوسطى (705م) ، وإتمام الفتح الإسلامي لشمالي أفريقيا ، وأول نزول للمسلمين بإسبانيا في حملة طريف (710م) ، ثم فتح الأندلس ، وبداية أذكى وأثرى حضارة في البحر الأبيض المتوسط على يد طارق بن زياد (711م) ، وكذلك بداية الفتوح المسلمة في فرنسا ذاتها ( 714م ) وغزو العرب للشبونة ( 716م ) .

ثم تمضي في حب اطلاعك على قمة بني أمية ، في انتشار الحضارة الإسلامية، فيهولك ما تعرض له هـذا الزمن المجيد الأبي، من طمس، فتطفوا على سطح الكتب، مغامرات يزيد بن عبد الملك ، وحكايات هـشام بن عبد الملك التي يعوز معظمها التحقيق العلمي، بينما تغرق في قاع التناسي المتعمد أعمال عظمى غيرت مجرى التاريخ، مثل فتح نربونة بجنوبي فرنسا (719م) ، ثم إن [ ص: 66 ] مجدا أثيلا مثل بسط السلطان الإسلامي على كامل جنوب فرنسا ، لمدة ربع قرن، يندثر تماما لكي تنفرد منه بالتعريف معركة بلاط الشهداء ، التي تواجه فيها عبد الرحمن الغافقي ، وشارل مارتال ، بسهول مدينة (بواتي ) في قلب فرنسا (732 م) ، كما تندثر مناقب الدولة الأموية في دفع حركة التاريخ والحضارة باتجاه الحق والعدل، لتنقل لنا كتب الرواة أخبار الشاعر عمر بن أبي ربيعة ، والوصلات الغنائية لمعبد ، و الغريض ، وابن سريج ، وابن عائشة ، والأبجر .

أما إذا ولجنا باب الدولة العباسية منذ قيامها سنة (750م) فستندهش لتزاحم أخبار الصراع بين السنة والشيعة مع أنباء اضطهاد الفكر إلى جانب انتعاش الثورات، وكأنما توحي إليك كتب الأدب والتاريخ بأن حضارة الإسلام تفردت بهذه الظواهر البشرية، دون سواها من الحضارات، بينما تشير وقائع الماضي الإنساني منذ فجر التاريخ، إلى أن هـذه سنة الله في خلقه، وأن الإسلام جاء ليحد من نوازع الشر وغرائز الضعف ومكامن الجور، لا ليعلن أن الأرض أصبحت جنة، ولا ليقول: إن المسلمين أصبحوا ملائكة.

إن السر المختوم في القرآن هـو أن نعتبر بالماضي وأن نتعظ بالقرون الخوالي، وأن نتدبر حركة التاريخ، ونشوء الحضارات، ونتأمل الأسباب، ونربط بينها وبين النتائج. ولذلك نؤمل أن نعتمد التاريخ الصحيح للحضارة الإسلامية، لا أن نعتمد التاريخ المحرف، الذي وصلنا أغلبه عن طريق رواة الأدب، وهم صناع أساطير، ومثل من يأخذ عنهم اليوم، كمثل من سيأخذ بعد ألف سنة عن أجهزة إعلام الغرب الراهنة لدراسة الإسلام في القرن العشرين. ومن تلك المرحلة العباسية، خذ مثال غياب الغزوات الصيفية لبلاد الروم ، بعد تأسيس مدينة بغداد ، من كتب التاريخ الأدبي، وتعويض هـذه الأحداث الجسام، بأخبار المغنية [ ص: 67 ] دنانير ( من 766 إلى 780م ) .. وخذ مثال طغيان التصادم بين الفكر الإسلامي الحر والدولة العباسية ، على المنعرج الثقافي الحاسم المتمثل في حركة إعادة إحياء الفكر اليوناني ، وتعريب أمهات كتب الفلسفة والعلوم الإغريقية، ومن ثم إثراء الثقافة الإسلامية وقيامها بدور ريادة الثقافة الإنسانية من (800م إلى 850م) أي من نكبة البرامكة على يد هـارون الرشيد إلى نكبة القاضي أحمد بن أبي داوود على يد المتوكل .

ونحن إذا واصلنا هـذا الجرد المختزل لتاريخ الحضارة الإسلامية، فمررنا إلى الدولة الزيدية بجنوب بحر قزوين ، ثم باليمن ، وإلى الدولة الصفارية بشرقي فارس ، وإلى الدولة الطولونية في مصر ، والدولة الطاهرية بفارس ، ثم الدول المتعاقبة بالأندلس ، بإماراته المتناحرة، ثم عددنا الثورات المتلاحقة، التي تعز عن الحصر ومنها ثورة الزنج ، وثورة القرامطة ، لو قمنا بعمل كهذا، لما كفانا جبل من الورق ونهر من المداد، ولكننا أردنا بعرض أمثلة من القرون الأولى لانتشار الإسلام، لندلل على أن هـناك تاريخا كبيرا، وتاريخا صغيرا لحضارة الإسلام. تاريخ أكبر صنعته الأمة في مسارها الواثق نحو الفتوح والتوسع، وتأليف القلوب، وتاريخ أصغر، صنعه رجال بعينهم. فتشكل التاريخ الأكبر على مستوى الإسلام، وإرادة الله سبحانه في تعمير الأرض، وإنشاء المصالح، وإقامة العدل، في حين تشكل التاريخ الأصغر على مستوى القصور والبلاطات، ولذلك اتجهت إليه أضواء الكشف، وتناولته ألسنة الرواة والقصاص، وأقلام المبدعين، وقصائد الشعراء، ونفخت فيه الفطرة الشعبية بالتضخيم والتهويل حتى اختلط مع مرور الزمن، وبعد المسافة، ما هـو تاريخ محض، بما هـو خيال محض، وانطلت على أبناء جيلنا المسلم أغلب الروايات، فلم يعودوا يرون في تاريخهم، إلا ما ظهر منه، أي تعاقب الفتن وتواصل المحن، غافلين عما صنع [ ص: 68 ] عظمة هـذه الحضارة، أي عبقرية الأمة، المتمثلة في إجماعها.

نحن بصدد عرض ما بيد الحضارة الإسلامية من عناصر القوة والمنعة، وهي تدخل صراع حضارات معلن، لا بصدد تقديم كشف عن مآثر الإسلام، فهي والحمد لله كالشمس تضيئ العالم، وتبعث فيه الحياة، وتجدد لديه الأمل.

ولذلك ننتقل إلى استخلاص فكرتنا الأساسية التالية:

ماذا لو اعتبرنا أن تاريخ الإسلام الحقيقي ليس هـو التاريخ الأصغر، الذي يدور في فلك الأفراد من خلفاء وملوك ووزراء، ولكنه التاريخ الأكبر الذي صنعه إجماع الأمة في ملاحمها الفتوحية بالأمس، ويصنعه إجماع الأمة اليوم، بمقاومة الدخلاء، واستعادة الهوية، واسترجاع الأصول؟

ماذا لو أعدنا النظر جذريا في مادة التاريخ، فاعتززنا بالملحمة الفكرية وبالمغامرة الثقافية اللتين فجرتا عبقرية الأمة، منذ فجر الإسلام إلى يوم الناس، عوض أن نحصر تاريخ الحضارة الإسلامية في التاريخ الأصغر: تاريخ الإنسان الفرد باستبداده وقمعه وجبروته، وضعفه وخيانته، واستحلاله ما حرم الله، عبر أحداث السياسة وتقلبات الملك؟

ثم ماذا لو اعتبرنا أنفسنا كمسلمين أمناء على رصيد الإجماع الإسلامي، وخزنة لذلك التراث العظيم، غير مسئولين كأمة، عن سلوك الأفراد مهما كانت مراتبهم ومهما علت مواقعهم؟

ونحن عندما ندعو لهذ الاتجاه لا نأتي ببدعة من عندنا، بل نستخلصه من عبقرية الإسلام. فالإسلام هـو دين الحضارة الإلهية، أي أن عماد حضارتنا هـو القرآن، بما أنزل من تشريعات، حدت من تطرف الإنسان الفرد، فعقلت يديه [ ص: 69 ] عن الطغيان بالضرورة، ووضعت اجتهاده في كنف تلك التشريعات المنزلة.. وبعكس الإسلام، كانت وما تزال الأمم غير المسلمة تعتمد على تشريعات بشرية فردية، تحمل أسماء الملوك الذين وضعوها، أو أوحوا بها لمن وضعها..

يقول الدكتور أحمد حمد [1] :

(عندما أراد حمورابي قبل الميلاد بعشرين قرنا، أن يضع تشريعا يسير الناس عليه في معاملاتهم، جمع العلماء وأمرهم، أن ينتهوا من وضع هـذا التشريع في مدة حددها لهم.. ثم في عهد جوستنيان ، أي في النصف الأول من القرن السادس الميلادي، صنع جوستنيان هـذا الصنيع مع العلماء.. ثم في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، يأتي نابليون ليصنع هـذا الصنيع كذلك مع العلماء.. وأدل دليل على ذلك، أن هـذه التشريعات التي صدرت بمجهود العلماء، لا تنسب إليهم هـم، بل تنسب إلى هـؤلاء الحكام، فيقال: تشريع حمورابي، وتشريع جوستنيان، وتشريع نابليون.. ولم يحدث في أي عصر من العصور، أن ينسب تشريع ما إلى حاكم من المسلمين، فإن الشرع هـو شرع الله، والفقهاء إنما يجتهدون ثم يجمعون على ما يرضي الله من حكم..

ولقد كان اهتمام الأمة بالعلماء، وتعظيم شأنهم، أن جعلوا اتفاق المذاهب على حكم في مسألة من المسائل إجماعا، يؤخذ به مأخذ الاتباع والالتزام، فاتفاقهم حجة، ونسبوا كل مذهب من هـذه المذاهب إلى صاحبه لا إلى الحاكم الذي كان في عهده، فقالوا: مذهب أبي حنيفة ، ومذهب مالك ، ومذهب [ ص: 70 ] الشافعي ، ومذهب أحمد بن حنبل ، بل إن الحاكم هـو الذي ينسب إلى المذهب إذا مال إليه، فيقال: هـذا الحاكم حنفي، والآخر كان شافعيا وهكذا..) .

نحن إذن بإزاء جوهر من جواهر الحضارة الإسلامية. فالإجماع هـو المصدر الثالث للشريعة بعد القرآن والسنة، وهو كما أسلفنا يعتمد اتفاق المسلمين أو أهل الحل والعقد منهم - حسب تعريف الغزالي، والرازي، والآمدي - وهذا الجوهر الإسلامي ثابت من الثوابت عبر تاريخ الحضارة الإسلامية مهما اعتراه من خلل، عندما استبد بعض الحكام، فاضطهدوا بعض رجال الفكر والاجتهاد والصلاح. بل بالعكس، إن تاريخ اضطهاد الأئمة والعلماء لعبرة لمن يعتبر، إذا ما درسنا عاقبة الطغاة، وكيف هـبت ريحهم، وانهار بنيانهم، وزالت دولتهم، وخسف الله سبحانه بهم الأرض، وبقي فكر العلماء، وإجماع المجتهدين، آية من آيات الإسلام، وحجة من حججه، ونبراسا هـاديا للأمة بالأمس واليوم وغدا.

فالرأي عندي أن تنطلق صحوة الإسلام المباركة من عملية إعادة قراءة تاريخ الإسلام، فنغير جذريا من اعتباره تسلسل الدول فحسب، إلى اعتباره تسلسل المدارس الفكرية ، والمذاهب الثقافية على مدى القرون. فالمنظور التقليدي السائد اليوم في دراسة التاريخ، هـو المنظور الأوروبي الذي يضع الحدث السياسي في قمة قراءة التاريخ، ولا يكون الحدث الفكري إلا ثانويا أو فرعيا، وهو منظور لعله ينفع في التاريخ الأوروبي، لكنه منظور قاصر في التاريخ الإسلامي. فإذا كانت السياسة تحدد الفكر في أوروبا ، نظرا لأسباب تاريخية، ودينية، وجغرافية، واجتماعية يطول شرحها، فإن الفكر هـو الذي يحدد السياسة في العالم الإسلامي، حتى لو اصطدم ذلك الفكر بالبلاط . [ ص: 71 ]

ويجدر بنا إذا أن نعيد الاعتبار لتاريخ الأفكار في الإسلام، ونتبنى من ماضينا، ما تعاقب من علماء وفقهاء، وأئمة، ودعاة، وحكماء، لنتخذه موروثا شرعيا لجيلنا المسلم في القرن الحادي والعشرين، منه نستمد طاقة الاجتهاد، ورصيد المواجهة الحضارية، وعليه نؤسس الصحوة المباركة.

وقد أخطأت كتب الأدب وتصانيف الرواة في حق الحضارة الإسلامية عندما أرخت للملوك وحاشياتهم، وجيوشهم، وفتنهم، وصراعهم على سدة الحكم، في حين أهملت تاريخ الفكر، والمفكرين، والمناظرات، والمدارس الثقافية، مقتصرين في أحيان كثيرة على الشعر والشعراء، بسبب دوران الشعراء في فلك الملوك والخلفاء، وتناولهم في المدح، والهجاء، لخصائص الملوك وأعدائهم، وانقسام الشعراء في كل العصور إلى أحزاب تناصر هـذا، وتحط من قدر ذاك.

ثم إن الشعر بهذا المعنى لا يكون ديوان العرب، بل المرايا المضللة، والمحرفة، لواقع العرب، وبالتالي لحضارة الإسلام.

وإذا أخذنا مثلا واحدا من أمثلة عديدة، لتأكدنا من صحة هـذا الرأي. فالكتب التي تناولت نهاية عهد المعتصم بالله ، وعهد الواثق ، وعهد المتوكل ، وبداية عهد ابنه المنتصر ، تكاد تنحصر في ذكر الصراع الدموي داخل الأسرة الحاكمة ، وما صاحبه من مؤامرات القصر المتلاحقة، دون التطرق الكافي إلى التدخل المكثف بين قضايا الحكم، وقضايا الفكر في ذلك الجزء من القرن التاسع الميلادي.. فمنذ إنهاء محنة خلق القرآن، ازدهرت المدرسة العلمية التطبيقية على يدي العالم الرياضي الخوارزمي ، وتنامي علم الجغرافيا على يدي ابن خرداذبة [ ص: 72 ] صاحب كتاب (المسالك والممالك) ، وتشكلت المدرسة الفكرية التي أسميها بالموسوعية، على يدي الجاحظ بكتب الحيوان، والبيان والتبيين، والبخلاء، والرسائل المعروفة، وجاءت مساهمات عبد الله بن المقفع ، في الفكر السياسي، بكتب كليلة ودمنة، والأدب الكبير، والأدب الصغير، ورسالة الصحابة.. ثم ازدهر الفتح الإسلامي، حتى بلغ روما ، وكاد يدخلها المسلمون (846م) ، ووضع الإسلام يده على جزء كبير من بيزنطة .

ونحن نشعر بمزيج من المرارة، والانكسار، حينما نجد أن كتب السير الأدبية التي تحدثت عن هـذه المرحلة الثرية الحاسمة من تاريخ الإسلام، إنما اكتفت بتقديم المسرح البلاطي والأدبي -عادة الشعري والغنائي- ولم تفلح في رسم خارطة العمران البشري الإسلامي، في عهود أربعة ملوك مع الامتدادات السياسية والمعرفية، والروحية، والفلسفية، التي تساعد على دراستها والاعتبار بخصائصها. وإذا كان هـذا حال كتب وضعها معاصرون لتلك المرحلة، مثل كتاب (طبقات فحول الشعراء) ، لمحمد بن سلام الجمحي ، فما عسى يكون حال كتب جاءت بعد تلك المرحلة بعشرات بل ومئات السنين، مثل كتاب الفهرست لابن النديم ( 988م ) ، أو كتاب زهر الآداب للحصري القيرواني ( 1022م ) ، أو كتاب طوق الحمامة لابن حزم ( 1027م ) ، إلى آخر الكتب الأدبية والتصنيفية المعروفة، التي جاءت بعدها، وشكلت -مع الأسف- مراجع أساسية لدراسة الحضارة الإسلامية, وخاصة بأقلام المستشرقين، وتلاميذهم العرب. فدرج المؤرخون المسلمون وغير المسلمين -وبعضهم عن حسن نية- على استقاء مراجعهم من الكتب الأدبية، وأغلبها مكتوب في بلاطات الملوك، والأمراء، بقصد تسلية ذوي النفوذ، وأصحاب السلطان، لا بقصد دراسة [ ص: 73 ] التاريخ والاعتبار به. فهذه الكتب ذات قيمة فنية متميزة، ولكنها تاريخيا لا تعدو أن تكون أجزاءا ملحقة بكتاب ألف ليلة وليلة.

وهذا الخطأ الفادح، ليس مقصورا على القدماء، بل إن المعاصرين يرتكبونه، ولكن عن سوء نية، وخبث مقصد. فإنك لو قرأت كتاب (الخلافة الإسلامية) للمستشار محمد سعيد العشماوي ، لعثرت في الهوامش على أغلب التصانيف الأدبية المذكورة، كمراجع أساسية لدراسة الخلافة الإسلامية . وفي هـذه الحالة كما في غيرها، فإن المطلوب إثباته -أيديولوجيا- هـو بطلان الخلافة الإسلامية، ودموية الماضي الإسلامي، وبالطبع اقتناع المسلمين بأنه ليس بالإمكان خير مما كان، وأنه محكوم علينا بالتبعية لقوالب الغرب، وأشكال نظامه، وسائر شئون حياته، حتى نكون (مجتمعات مدنية) ، و (شعوبا محبة للسلام) !

ونحن لن نكون في واقع الأمر سوى أمم مغلوبة، تابعة، لا كبرياء لديها، ولا ذمة، ولا سيادة. وقضية المستشار العشماوي، تتجاوز مجرد إبداء الرأي، إلى كونها إسهاما في صنع الهزيمة الحضارية للإسلام، بأيدي الذي أسهموا في هـزيمته السياسية، والعسكرية، منذ 1967م تحت شعار القومية العربية . [ ص: 74 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث