الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس

جزء التالي صفحة
السابق

باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس وكذلك يروى عن عمر وعلي والنعمان بن بشير وعمرو بن حريث رضي الله عنهم

861 حدثنا عبدان قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا يحيى بن سعيد أنه سأل عمرة عن الغسل يوم الجمعة فقالت قالت عائشة رضي الله عنها كان الناس مهنة أنفسهم وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم فقيل لهم لو اغتسلتم

التالي السابق


قوله : ( باب وقت الجمعة ) أي أوله ( إذا زالت الشمس ) جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها لضعف دليل المخالف عنده .

قوله : ( وكذا يذكر عن عمر وعلي والنعمان بن بشير وعمرو بن حريث ) قيل : إنما اقتصر على هؤلاء من الصحابة دون غيرهم لأنه نقل عنهم خلاف ذلك ، وهذا فيه نظر لأنه لا خلاف عن علي ومن بعده في ذلك ، وأغرب ابن العربي فنقل الإجماع على أنها لا تجب حتى تزول الشمس ، إلا ما نقل عن أحمد أنه إن صلاها [ ص: 450 ] قبل الزوال أجزأ اهـ . وقد نقله ابن قدامة وغيره عن جماعة من السلف كما سيأتي ، فأما الأثر عن عمر فروى أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة له وابن أبي شيبة من رواية عبد الله بن سيدان قال " شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار ، وشهدتها مع عمر - رضي الله عنه - فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول قد انتصف النهار " رجاله ثقات إلا عبد الله بن سيدان وهو بكسر المهملة بعدها تحتانية ساكنة فإنه تابعي كبير إلا أنه غير معروف العدالة ، قال ابن عدي شبه المجهول . وقال البخاري لا يتابع على حديثه ، بل عارضه ما هو أقوى منه فروى ابن أبي شيبة من طريق سويد بن غفلة أنه صلى مع أبي بكر وعمر حين زالت الشمس إسناده قوي ، وفي الموطأ عن مالك بن أبي عامر قال " كنت أرى طنفسة لعقيل بن أبي طالب تطرح يوم الجمعة إلى جدار المسجد الغربي ، فإذا غشيها ظل الجدار خرج عمر " إسناده صحيح ، وهو ظاهر في أن عمر كان يخرج بعد زوال الشمس ، وفهم منه بعضهم عكس ذلك ، ولا يتجه إلا إن حمل على أن الطنفسة كانت تفرش خارج المسجد وهو بعيد ، والذي يظهر أنها كانت تفرش له داخل المسجد ، وعلى هذا فكان عمر يتأخر بعد الزوال قليلا ، وفي حديث السقيفة عن ابن عباس قال " فلما كان يوم الجمعة وزالت الشمس خرج عمر فجلس على المنبر ; وأما علي فروى ابن أبي شيبة من طريق أبي إسحاق أنه " صلى خلف علي الجمعة بعدما زالت الشمس " إسناده صحيح ، وروي أيضا من طريق أبي رزين قال " كنا نصلي مع علي الجمعة فأحيانا نجد فيئا وأحيانا لا نجد " وهذا محمول على المبادرة عند الزوال أو التأخير قليلا ، وأما النعمان بن بشير فروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سماك بن حرب قال " كان النعمان بن بشير يصلي بنا الجمعة بعدما تزول الشمس " .

قلت : وكان النعمان أميرا على الكوفة في أول خلافة يزيد بن معاوية ، وأما عمرو بن حريث فأخرجه ابن أبي شيبة أيضا من طريق الوليد بن العيزار قال " ما رأيت إماما كان أحسن صلاة للجمعة من عمرو بن حريث ، فكان يصليها إذا زالت الشمس " إسناده صحيح أيضا ، وكان عمرو ينوب عن زياد وعن ولده في الكوفة أيضا . وأما ما يعارض ذلك عن الصحابة فروى ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن سلمة وهو بكسر اللام قال " صلى بنا عبد الله - يعني ابن مسعود - الجمعة ضحى وقال : خشيت عليكم الحر " وعبد الله صدوق إلا أنه ممن تغير لما كبر قاله شعبة وغيره ، ومن طريق سعيد بن سويد قال " صلى بنا معاوية الجمعة ضحى " وسعيد ذكره ابن عدي في الضعفاء واحتج بعض الحنابلة بقوله - صلى الله عليه وسلم - إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين قال : فلما سماه عيدا جازت الصلاة فيه وقت العيد كالفطر والأضحى ، وتعقب بأنه لا يلزم من تسمية يوم الجمعة عيدا أن يشتمل على جميع أحكام العيد ، بدليل أن يوم العيد يحرم صومه مطلقا سواء صام قبله أو بعده بخلاف يوم الجمعة باتفاقهم .

قوله : ( أخبرنا عبد الله ) هو ابن المبارك ، ويحيى بن سعيد هو الأنصاري .

قوله : ( كان الناس مهنة ) بنون وفتحات جمع ماهن ككتبة وكاتب أي خدم أنفسهم ، وحكى ابن التين أنه روي بكسر أوله وسكون الهاء ومعناه بإسقاط محذوف أي ذوي مهنة . ولمسلم من طريق الليث عن يحيى بن سعيد " كان الناس أهل عمل ولم يكن لهم كفاة " أي لم يكن لهم من يكفيهم العمل من الخدم .

قوله : ( وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم ) استدل البخاري بقوله " راحوا " على أن [ ص: 451 ] ذلك كان بعد الزوال لأنه حقيقة الرواح كما تقدم عن أكثر أهل اللغة ، ولا يعارض هذا ما تقدم عن الأزهري أن المراد بالرواح في قوله " من اغتسل يوم الجمعة ثم راح " الذهاب مطلقا لأنه إما أن يكون مجازا أو مشتركا ، وعلى كل من التقديرين فالقرينة مخصصة وهي في قوله " من راح في الساعة الأولى " قائمة في إرادة مطلق الذهاب ، وفي هذا قائمة في الذهاب بعد الزوال لما جاء في حديث عائشة المذكور في الطريق التي في آخر الباب الذي قبل هذا حيث قالت " يصيبهم الغبار والعرق " لأن ذلك غالبا إنما يكون بعدما يشتد الحر ، وهذا في حال مجيئهم من العوالي ، فالظاهر أنهم لا يصلون إلى المسجد إلا حين الزوال أو قريبا من ذلك ، وعرف بهذا توجيه إيراد حديث عائشة في هذا الباب .

( تنبيه ) : أورد أبو نعيم في المستخرج طريق عمرة هذه في الباب الذي قبله وعلى هذا فلا إشكال فيه أصلا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث