الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 225 ] ( باب ، الإجماع لغة العزم والاتفاق ) قال تعالى { فأجمعوا أمركم } أي اعزموه . ويصح إطلاقه على الواحد ، يقال : أجمع فلان على كذا ، أي عزم عليه ، ويقال : أجمع القوم على كذا ، أي اتفقوا عليه . فكل أمر من الأمور اتفقت عليه طائفة فهو إجماع في إطلاق أهل اللغة . وأجمعت السير والأمر وأجمعت عليه ، يتعدى بنفسه وبالحرف [ عزمت عليه ] . وفي حديث { من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له } أي من لم يعزم عليه فينويه ( و ) الإجماع ( اصطلاحا ) أي في اصطلاح علماء الشريعة ( اتفاق مجتهدي الأمة في عصر على أمر ، ولو ) كان الأمر ( فعلا ) اتفاقا كائنا ( بعد النبي صلى الله عليه وسلم ) والمراد باتفاقهم : اتحاد اعتقادهم . واحترز بالاتفاق عن الاختلاف ، وبقيد " الاجتهاد " عن غير المجتهد . فلا يكون اتفاق غير المجتهد من أصولي وفروعي ونحوي ولا من لم يكمل فيه شروط الاجتهاد إجماعا ، ولا تقدح مخالفته في انعقاد الإجماع ، وبقيد " الأمة " المنصرف إطلاق لفظها إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم عن اتفاق مجتهدي بقية الأمم . ودخل في قوله " على أمر " جميع الأمور من الأقوال والأفعال الدينية والدنيوية والاعتقادات والسكوت والتقرير وغير ذلك . وإنما أبرز قوله " ولو فعلا " مع دخوله في مسمى الأمر للبيان والتأكيد . وقد اختلف العلماء فيما إذا اتفق مجتهدو العصر على فعل فعلوه ، أو فعله بعضهم . وسكت الباقون مع علمهم . هل يكون إجماعا أم لا ؟ والأرجح : أنه ينعقد به الإجماع لعصمة الأمة . فيكون كالقول المجمع عليه . وكفعل الرسول صلى الله عليه وسلم . اختاره أبو الخطاب من أصحابنا . وقطع به أبو إسحاق الشيرازي . واختاره الغزالي في المنخول . وصرح به أبو الحسين البصري في المعتمد ، وتبعه في المحصول . قال بعض أصحابنا : هو قول الجمهور . حتى أحالوا الخطأ منهم إذا لم يشترط انقراض العصر ، وقيل : لا ينعقد الإجماع بذلك . ويتفرع على المسألة : إذا فعلوا فعلا قربة ، ولكن لا يعلم هل فعلوه واجبا أو مستحبا ؟ فمقتضى القياس : أنه كفعل الرسول صلى الله عليه وسلم ; [ ص: 226 ] لأنا أمرنا باتباعهم ، كما أمرنا باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم . وللعلماء في تعريف الإجماع حدود غير ذلك يطول الكلام بذكرها ، وأنكر النظام وبعض الرافضة ثبوت الإجماع . وروي عن الإمام أحمد رضي الله عنه . وحمل على الورع ، أو على غير عالم بالخلاف ، أو على تعذر معرفة الكل ، أو على العام النطقي ، أو على بعده ، أو على غير الصحابة لحصرهم . وانتشار غيرهم ( وهو ) أي الإجماع ( حجة قاطعة بالشرع ) أي بدليل الشرع كونه حجة قاطعة . وهذا مذهب الأئمة الأعلام ، منهم الأربعة وأتباعهم وغيرهم من المتكلمين . وقال الآمدي والرازي : هو حجة ظنية لا قطعية .

وقيل : ظنية في السكوتي ونحوه ، دون النطقي . واستدل للقول الأول بقوله تعالى { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } احتج بها الإمام الشافعي وغيره . لأنه توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين . وإنما يجوز لمفسدة متعلقة به ، وليست من جهة المشاقة . وإلا كانت كافية . والسبيل : الطريق . فلو خص بكفر أو غيره .

كان اللفظ مبهما ، وهو خلاف الأصل . و " المؤمن " حقيقة في الحي المتصف بالإيمان ، ثم عمومه إلى يوم القيامة يبطل المراد . وهو الحث على متابعة سبيلهم .

والجاهل غير مراد ، ثم المخصوص حجة ، والسبيل عام . والتأويل بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو بمتابعتهم في الإيمان ، أو الاجتهاد : لا ضرورة إليه فلا يقبل ، وليس تبيين الهدى شرطا للوعيد بالاتباع ، بل للمشاقة ; لأن إطلاقها لمن عرف الهدى أولا ، ولأن تبيين الأحكام الفروعية ليس شرطا في المشاقة . فإن من تبين له صدق الرسول وتركه . فقد شاقه ، ولو جهلها . وما قيل : من أن الآية ظاهرة ، ولا دليل على أن الظاهر حجة إلا الإجماع . فيلزم الدور : ممنوع لجواز نص قاطع على أنه حجة ، أو استدلال قطعي ; لأن الظاهر مظنون ، وهو حجة لئلا يلزم رفع النقيضين أو اجتماعهما ، أو العمل بالمرجوح ، وهو خلاف العقل ، وبقوله تعالى { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } والمشروط عدم عند عدم [ ص: 227 ] شرطه . فاتفاقهم كاف ، واعترض عدم الرد إلى الكتاب والسنة عند الإجماع : أنه إن بني الإجماع على أحدهما فهو كاف . وإلا ففيه تجويز الإجماع بلا دليل ، ثم لا نسلم عدم الشرط . فإن الكلام مفروض في نزاع مجتهدين متأخرين ، لإجماع سابق . رد الأول بأن الإجماع إن احتاج إلى مستند فقد يكون قياسا . والثاني مشكل جدا . قاله الآمدي . واختار أبو الخطاب أن مراد الآية فيما لا نعلم أنه خطأ ، وإن ظنناه رددناه إلى الله والرسول . وبقوله تعالى { ولا تفرقوا } وخلاف الإجماع تفرق . والنهي عن التفرق ليس في الاعتصام للتأكيد . ومخالفة الظاهر وتخصيصه بها قبل الإجماع لا يمنع الاحتجاج به ، ولا يختص الخطاب بالموجودين زمنه صلى الله عليه وسلم ; لأن التكليف لكل من وجد مكلفا ، كما سبق . وبقوله تعالى { كنتم خير أمة أخرجت للناس } فلو اجتمعوا على باطل كانوا قد اجتمعوا على منكر لم ينهوا عنه ، ومعروف لم يؤمروا به ، وهو خلاف ما وصفهم الله تعالى به ، ولأنه جعلهم أمة وسطا أي عدولا ، ورضي بشهادتهم مطلقا .

وعلى ذلك اعتراضات وأجوبة يطول الكتاب بذكرها . وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه مرفوعا { إن الله تعالى أجاركم من ثلاث خلال : أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعا ، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق ، وأن لا تجتمعوا على ضلالة } رواه أبو داود . وعن ابن عمر مرفوعا { لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة أبدا } رواه الترمذي .

وعن أنس مرفوعا { لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة . فإن رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم ، الحق وأهله } رواه ابن ماجه ، وابن أبي عاصم ، وعن أبي ذر مرفوعا { عليكم بالجماعة . إن الله تعالى لا يجمع أمتي إلا على هدى } رواه أحمد . وعن أبي ذر مرفوعا { من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه } رواه أحمد وأبو داود ، ولهما عن معاوية مرفوعا { ألا إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين يعني : فرقة ثنتان وسبعون في النار . وواحدة في الجنة ، وهي الجماعة } وعن ابن عمر مرفوعا { إن الله لا يجمع أمتي - أو قال أمة محمد - على ضلالة ، ويد الله على الجماعة . ومن شذ [ ص: 228 ] شذ في النار } رواه الترمذي . وعن ثوبان مرفوعا { لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك } وفي حديث جابر { إلى يوم القيامة } وفي حديث جابر بن سمرة { حتى تقوم الساعة } رواه مسلم .

وعن ابن عمر مرفوعا { عليكم بالجماعة ، وإياكم والفرقة . فإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد . من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة } رواه الشافعي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وغيرهم . وعن ابن مسعود { ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيئ } رواه أبو داود الطيالسي .

قال الآمدي وغيره : السنة أقرب الطرق إلى كون الإجماع حجة قاطعة . واستدل أيضا لكونه حجة قاطعة بأن العادة تحيل إجماع مجتهدي العصر على قطع بحكم شرعي من غير اطلاع على دليل قاطع في ذلك الحكم . فوجب في ذلك الحكم تقرير نص قاطع فيه ، ولأن الإجماع مقدم على الدليل القاطع . فكان قاطعا ، وإلا تعارض الإجماعان لتقديم القاطع على غيره إجماعا

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث