الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " ما جعل الله من بحيرة "

القول في تأويل قوله ( ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام )

قال أبو جعفر : يقول - تعالى ذكره - : ما بحر الله بحيرة ، ولا سيب سائبة ، ولا وصل وصيلة ، ولا حمى حاميا ولكنكم الذين فعلتم ذلك ، أيها الكفرة ، فحرمتموه افتراء على ربكم ، كالذي : -

12819 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال : حدثني أبي وشعيب بن الليث ، عن الليث ، عن ابن الهاد وحدثني يونس قال : حدثنا عبد الله بن يوسف قال : حدثني الليث قال : حدثني ابن الهاد ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار ، وكان أول من سيب السيب " . [ ص: 117 ]

12820 - حدثنا هناد بن السري قال : حدثنا يونس بن بكير قال : حدثنا [ ص: 118 ] محمد بن إسحاق قال : حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لأكثم بن الجون : يا أكثم ، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار ، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ، ولا به منك! فقال أكثم : عسى أن يضرني شبهه ، يا رسول الله! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا إنك مؤمن وهو كافر ، إنه أول من غير دين إسماعيل ، وبحر البحيرة ، وسيب السائبة ، وحمى الحامي " . [ ص: 119 ]

12821 - حدثنا هناد قال : حدثنا يونس قال : حدثني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : قد عرفت أول من بحر البحائر ، رجل من مدلج كانت له ناقتان ، فجدع آذانهما ، وحرم ألبانهما وظهورهما ، وقال : هاتان لله! ثم احتاج إليهما ، فشرب ألبانهما ، وركب ظهورهما . قال : فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه .

12822 - حدثنا هناد قال : حدثنا عبدة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : عرضت علي النار ، فرأيت فيها عمرو بن فلان بن فلان بن خندف يجر قصبه في النار ، وهو أول من غير دين إبراهيم ، وسيب السائبة ، وأشبه من رأيت به أكثم بن الجون ! فقال أكثم : يا رسول الله ، أيضرني شبهه؟ قال : " لا لأنك مسلم ، وإنه كافر " . [ ص: 120 ]

12823 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار ، وهو أول من سيب السوائب .

12824 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إني لأعرف أول من سيب السوائب ، وأول من غير عهد إبراهيم ! قالوا : من هو ، يا رسول الله؟ قال : عمرو بن لحي أخو بني كعب ، لقد رأيته يجر قصبه في النار ، يؤذي ريحه أهل النار . وإني لأعرف أول من بحر البحائر! قالوا : من هو ، يا رسول الله؟ قال : رجل من بني مدلج ، كانت له ناقتان ، فجدع آذانهما ، وحرم ألبانهما ، ثم شرب ألبانهما بعد ذلك ، فلقد رأيته في النار هو ، وهما يعضانه بأفواههما ، ويخبطانه بأخفافهما . [ ص: 121 ]

و " البحيرة " الفعيلة من قول القائل : " بحرت أذن هذه الناقة " إذا شقها ، " أبحرها بحرا " والناقة " مبحورة " ثم تصرف " المفعولة " إلى " فعيلة " فيقال : " هي بحيرة " . وأما " البحر " من الإبل فهو الذي قد أصابه داء من كثرة شرب الماء ، يقال منه : " بحر البعير يبحر بحرا " ومنه قول الشاعر :


لأعلطنه وسما لا يفارقه كما يحز بحمي الميسم البحر



وبنحو الذي قلنا في معنى " البحيرة " جاء الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

12825 - حدثنا عبد الحميد بن بيان قال : أخبرنا محمد بن يزيد ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن أبيه قال : دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : أرأيت [ ص: 122 ] إبلك ألست تنتجها مسلمة آذانها ، فتأخذ الموسى فتجدعها ، تقول : " هذه بحيرة " وتشقون آذانها ، تقولون : " هذه صرم " ؟ قال : نعم! قال : فإن ساعد الله أشد ، وموسى الله أحد ! كل مالك لك حلال ، لا يحرم عليك منه شيء .

12826 - حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق قال : سمعت أبا الأحوص ، عن أبيه قال أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : هل تنتج إبل قومك صحاحا آذانها ، فتعمد إلى الموسى فتقطع آذانها فتقول : " هذه بحر " وتشقها أو تشق جلودها فتقول : " هذه صرم " فتحرمها عليك وعلى أهلك؟ قال : نعم! قال : فإن ما آتاك الله لك حل ، وساعد الله أشد ، وموسى الله أحد وربما قال : ساعد الله أشد من ساعدك ، وموسى الله أحد من موساك . [ ص: 123 ]

وأما " السائبة " : فإنها المسيبة المخلاة . وكانت الجاهلية يفعل ذلك أحدهم ببعض مواشيه ، فيحرم الانتفاع به على نفسه ، كما كان بعض أهل الإسلام يعتق عبده سائبة ، فلا ينتفع به ولا بولائه . [ ص: 124 ] وأخرجت " المسيبة " بلفظ " السائبة " كما قيل : " عيشة راضية " بمعنى : مرضية .

وأما " الوصيلة " فإن الأنثى من نعمهم في الجاهلية كانت إذا أتأمت بطنا بذكر وأنثى ، قيل : " قد وصلت الأنثى أخاها " بدفعها عنه الذبح ، فسموها " وصيلة " .

وأما " الحامي " فإنه الفحل من النعم يحمى ظهره من الركوب والانتفاع ، بسبب تتابع أولاد تحدث من فحلته .

وقد اختلف أهل التأويل في صفات المسميات بهذه الأسماء ، وما السبب الذي من أجله كانت تفعل ذلك .

ذكر الرواية بما قيل في ذلك :

12827 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي : أن أبا صالح السمان حدثه : أنه سمع أبا هريرة يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لأكثم بن الجون الخزاعي : يا أكثم ، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار ، فما رأيت من رجل أشبه برجل منك به ، ولا به منك! فقال أكثم : أيضرني شبهه يا نبي الله؟ قال : لا إنك مؤمن وهو كافر ، وإنه كان أول من غير دين إسماعيل ، ونصب الأوثان ، وسيب السائب فيهم . [ ص: 125 ]

وذلك أن الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس فيها ذكر ، سيبت فلم يركب ظهرها ، ولم يجز وبرها ، ولم يشرب لبنها إلا ضيف . فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ، ثم خلي سبيلها مع أمها في الإبل ، فلم يركب ظهرها ، ولم يجز وبرها ، ولم يشرب لبنها إلا ضيف ، كما فعل بأمها ، فهي " البحيرة " ابنة " السائبة " .

و " الوصيلة " أن الشاة إذا نتجت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيهن ذكر ، جعلت " وصيلة " قالوا : " وصلت " فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون إناثهم ، إلا أن يموت منها شيء فيشتركون في أكله ، ذكورهم وإناثهم .

و " الحامي " أن الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر ، حمى ظهره ولم يركب ، ولم يجز وبره ، ويخلى في إبله يضرب فيها ، لا ينتفع به بغير ذلك . يقول الله - تعالى ذكره - : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " إلى قوله : " ولا يهتدون " . [ ص: 126 ]

12828 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق في هذه الآية : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " قال أبو جعفر : سقط علي فيما أظن كلام منه قال : فأتيت علقمة فسألته ، فقال : ما تريد إلى شيء كان يصنعه أهل الجاهلية .

12829 - حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي قال : حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأعمش ، عن مسلم قال : أتيت علقمة ، فسألته عن قول الله تعالى : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " فقال : وما تصنع بهذا؟ إنما هذا شيء من فعل الجاهلية! قال : فأتيت مسروقا فسألته ، فقال : " البحيرة " كانت الناقة إذا ولدت بطنا خمسا أو سبعا ، شقوا أذنها ، وقالوا : " هذه بحيرة " قال : " ولا سائبة " قال : كان الرجل يأخذ بعض ماله فيقول : " هذه سائبة " قال : " ولا وصيلة " قال : كانوا إذا ولدت الناقة الذكر أكله الذكور دون الإناث ، وإذا ولدت ذكرا وأنثى في بطن قالوا : " وصلت أخاها " فلا يأكلونهما . قال : فإذا مات الذكر أكله الذكور دون الإناث قال : " ولا حام " قال : كان البعير إذا ولد وولد ولده ، قالوا : " قد قضى هذا الذي عليه " فلم ينتفعوا بظهره . قالوا : " هذا حمى " . [ ص: 127 ]

12830 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا محمد بن عبيد ، عن الأعمش ، عن مسلم بن صبيح قال : سألت علقمة عن قوله : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة " قال : ما تصنع بهذا؟ هذا شيء كان يفعله أهل الجاهلية .

12831 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا يحيى بن يمان ، ويحيى بن آدم ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص : " ما جعل الله من بحيرة " قال : البحيرة : التي قد ولدت خمسة أبطن ثم تركت .

12832 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن مغيرة ، عن الشعبي : " ما جعل الله من بحيرة " . قال : البحيرة ، المخضرمة " ولا سائبة " والسائبة : ما سيب للعدى و " الوصيلة " إذا ولدت بعد أربعة أبطن فيما يرى جرير ثم ولدت الخامس ذكرا وأنثى ، وصلت أخاها و " الحام " الذي قد ضرب أولاد أولاده في الإبل .

12833 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبي ، بنحوه إلا أنه قال : و " الوصيلة " التي ولدت بعد أربعة أبطن ذكرا وأنثى ، قالوا : " وصلت أخاها " وسائر الحديث مثل حديث ابن حميد . [ ص: 128 ]

12834 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا إسحاق الأزرق ، عن زكريا ، عن الشعبي : أنه سئل عن " البحيرة " فقال : هي التي تجدع آذانها . وسئل عن " السائبة " فقال : كانوا يهدون لآلهتهم الإبل والغنم فيتركونها عند آلهتهم ، فتذهب فتختلط بغنم الناس ، فلا يشرب ألبانها إلا الرجال ، فإذا مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعا .

12835 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله - تعالى ذكره - : " ما جعل الله من بحيرة " وما معها : " البحيرة " من الإبل يحرم أهل الجاهلية وبرها وظهرها ولحمها ولبنها إلا على الرجال ، فما ولدت من ذكر وأنثى فهو على هيئتها ، وإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكل لحمها . فإذا ضرب الجمل من ولد البحيرة ، فهو " الحامي " . و " الحامي " اسم . و " السائبة " من الغنم على نحو ذلك ، إلا أنها ما ولدت من ولد بينها وبين ستة أولاد ، كان على هيئتها . فإذا ولدت في السابع ذكرا أو أنثى أو ذكرين ، ذبحوه ، فأكله رجالهم دون نسائهم . وإن توأمت أنثى وذكرا فهي " وصيلة " لترك ذبح الذكر بالأنثى . وإن كانتا أنثيين تركتا .

12836 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : [ ص: 129 ] حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة " فالبحيرة ، الناقة ، كان الرجل إذا ولدت خمسة أبطن ، فيعمد إلى الخامسة ، ما لم تكن سقبا ، فيبتك آذانها ، ولا يجز لها وبرا ، ولا يذوق لها لبنا ، فتلك " البحيرة " " ولا سائبة " كان الرجل يسيب من ماله ما شاء " ولا وصيلة " فهي الشاة إذا ولدت سبعا ، عمد إلى السابع ، فإن كان ذكرا ذبح ، وإن كانت أنثى تركت ، وإن كان في بطنها اثنان ذكر وأنثى فولدتهما ، قالوا : " وصلت أخاها " فيتركان جميعا لا يذبحان . فتلك " الوصيلة " وقوله : " ولا حام " كان الرجل يكون له الفحل ، فإذا لقح عشرا قيل : " حام ، فاتركوه " .

12837 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة " ليسيبوها لأصنامهم " ولا وصيلة " يقول : الشاة " ولا حام " يقول : الفحل من الإبل .

12838 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد بن زريع قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " تشديد شدده الشيطان على أهل الجاهلية في أموالهم ، وتغليظ عليهم ، فكانت " البحيرة " من الإبل ، إذا نتج الرجل خمسا من إبله ، نظر البطن الخامس ، فإن كانت سقبا ذبح فأكله الرجال دون النساء ، وإن كان ميتة اشترك فيه ذكرهم وأنثاهم ، وإن كانت حائلا وهي الأنثى تركت ، فبتكت أذنها ، فلم يجز لها وبر ، ولم يشرب لها لبن ، ولم يركب لها ظهر ، ولم يذكر لله عليها اسم . [ ص: 130 ] وكانت " السائبة " يسيبون ما بدا لهم من أموالهم ، فلا تمنع من حوض أن تشرع فيه ، ولا من حمى أن ترتع فيه وكانت " الوصيلة " من الشاء ، من البطن السابع ، إذا كان جديا ذبح فأكله الرجال دون النساء . وإن كان ميتة اشترك فيه ذكرهم وأنثاهم . وإن جاءت بذكر وأنثى قيل : " وصلت أخاها فمنعته الذبح " و " الحام " كان الفحل إذا ركب من بني بنيه عشرة ، أو ولد ولده ، قيل : "حام حمى ظهره " فلم يزم ولم يخطم ولم يركب .

12839 - حدثني محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن مفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " فالبحيرة من الإبل ، كانت الناقة إذا نتجت خمسة أبطن ، إن كان الخامس سقبا ذبحوه فأهدوه إلى آلهتهم ، وكانت أمه من عرض الإبل . وإن كانت ربعة استحيوها ، وشقوا أذن أمها ، وجزوا وبرها ، وخلوها في البطحاء ، فلم تجز لهم في دية ، ولم يحلبوا لها لبنا ، ولم يجزوا لها وبرا ، ولم يحملوا على ظهرها ، وهي من الأنعام التي حرمت ظهورها ، وأما " السائبة " فهو الرجل يسيب من ماله ما شاء على وجه الشكر إن كثر ماله أو برئ من وجع ، أو ركب ناقة فأنجح ، فإنه يسمي " السائبة " يرسلها فلا يعرض لها أحد من العرب إلا أصابته عقوبة في الدنيا وأما " الوصيلة " فمن الغنم ، هي الشاة إذا ولدت ثلاثة أبطن أو خمسة ، فكان آخر ذلك جديا ، ذبحوه وأهدوه لبيت الآلهة ، وإن كانت عناقا استحيوها ، وإن كانت جديا وعناقا استحيوا الجدي من أجل العناق ، فإنها وصيلة وصلت [ ص: 131 ] أخاها وأما " الحام " فالفحل يضرب في الإبل عشر سنين ويقال : إذا ضرب ولد ولده قيل : " قد حمى ظهره " فيتركونه لا يمس ولا ينحر أبدا ، ولا يمنع من كلأ يريده ، وهو من الأنعام التي حرمت ظهورها .

12840 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب في قوله : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " قال : " البحيرة " من الإبل ، التي يمنح درها للطواغيت و " السائبة " من الإبل ، كانوا يسيبونها لطواغيتهم و " الوصيلة " من الإبل ، كانت الناقة تبتكر بأنثى ، ثم تثنى بأنثى ، فيسمونها " الوصيلة " يقولون : " وصلت أنثيين ليس بينهما ذكر " فكانوا يجدعونها لطواغيتهم - أو : يذبحونها ، الشك من أبي جعفر - و " الحام " الفحل من الإبل ، كان يضرب الضراب المعدودة . فإذا بلغ ذلك قالوا : " هذا حام ، قد حمى ظهره " فترك ، فسموه " الحام " قال معمر قال قتادة ، إذا ضرب عشرة .

12841 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة قال : " البحيرة " من الإبل ، كانت الناقة إذا نتجت خمسة أبطن ، فإن كان الخامس ذكرا ، كان للرجال دون النساء ، وإن كانت أنثى ، بتكوا آذانها ثم أرسلوها ، فلم ينحروا لها ولدا ، ولم يشربوا لها لبنا ، ولم يركبوا لها ظهرا وأما " السائبة " فإنهم كانوا يسيبون بعض إبلهم ، فلا تمنع حوضا أن تشرع فيه ، ولا مرعى أن ترتع فيه " والوصيلة " الشاة كانت إذا [ ص: 132 ] ولدت سبعة أبطن ، فإن كان السابع ذكرا ، ذبح وأكله الرجال دون النساء ، وإن كانت أنثى تركت .

12842 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال : حدثنا عبيد بن سلمان ، عن الضحاك : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " أما " البحيرة " فكانت الناقة إذا نتجوها خمسة أبطن نحروا الخامس إن كان سقبا ، وإن كان ربعة شقوا أذنها واستحيوها ، وهي " بحيرة " وأما السقب فلا يأكل نساؤهم منه ، وهو خالص لرجالهم ، فإن ماتت الناقة أو نتجوها ميتا ، فرجالهم ونساؤهم فيه سواء ، يأكلون منه وأما " السائبة " فكان يسيب الرجل من ماله من الأنعام ، فيهمل في الحمى ، فلا ينتفع بظهره ولا بولده ولا بلبنه ولا بشعره ولا بصوفه وأما " الوصيلة " فكانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن ذبحوا السابع إذا كان جديا ، وإن كان عناقا استحيوه ، وإن كان جديا وعناقا استحيوهما كليهما ، وقالوا : " إن الجدي وصلته أخته ، فحرمته علينا " وأما " الحامي " فالفحل إذا ركبوا أولاد ولده قالوا : " قد حمى هذا ظهره ، وأحرزه أولاد ولده " فلا يركبونه ، ولا يمنعونه من حمى شجر ، ولا حوض ما شرع فيه ، وإن لم يكن الحوض لصاحبه . وكانت من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها في شيء من شأنهم : لا إن ركبوا ، ولا إن حملوا ، ولا إن حلبوا ، ولا إن نتجوا ، ولا إن باعوا . ففي ذلك أنزل الله - تعالى ذكره - : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة " إلى قوله : " وأكثرهم لا يعقلون " .

12843 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد ، في قوله : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " قال : هذا شيء كان يعمل به أهل الجاهلية ، وقد ذهب . قال : " البحيرة " كان الرجل [ ص: 133 ] يجدع أذني ناقته ، ثم يعتقها كما يعتق جاريته وغلامه ، لا تحلب ولا تركب و " السائبة " يسيبها بغير تجديع و " الحام " إذا نتج له سبع إناث متواليات ، قد حمى ظهره ، ولا يركب ، ولا يعمل عليه و " الوصيلة " من الغنم : إذا ولدت سبع إناث متواليات ، حمت لحمها أن يؤكل .

12844 - حدثنا يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : حدثنا عبد الله بن يوسف قال : حدثنا الليث بن سعد قال : حدثني ابن الهاد ، عن ابن شهاب قال : قال سعيد بن المسيب : " السائبة " التي كانت تسيب فلا يحمل عليها شيء و " البحيرة " التي يمنح درها للطواغيت فلا يحلبها أحد و " الوصيلة " الناقة البكر تبتكر أول نتاج الإبل بأنثى ، ثم تثني بعد بأنثى ، وكانوا يسمونها للطواغيت ، يدعونها " الوصيلة " أن وصلت أخواتها إحداهما بالأخرى " والحامي " فحل الإبل ، يضرب العشر من الإبل . فإذا نفض ضرابه يدعونه للطواغيت ، وأعفوه من الحمل فلم يحملوا عليه شيئا ، وسموه " الحامي " .

قال أبو جعفر : وهذه أمور كانت في الجاهلية فأبطلها الإسلام ، فلا نعرف قوما يعملون بها اليوم . [ ص: 134 ]

فإذا كان ذلك كذلك وكان ما كانت الجاهلية تعمل به لا يوصل إلى علمه إذ لم يكن له في الإسلام اليوم أثر ، ولا في الشرك ، نعرفه إلا بخبر ، وكانت الأخبار عما كانوا يفعلون من ذلك مختلفة الاختلاف الذي ذكرنا ، فالصواب من القول في ذلك أن يقال : أما معاني هذه الأسماء ، فما بينا في ابتداء القول في تأويل هذه الآية ، وأما كيفية عمل القوم في ذلك ، فما لا علم لنا به . وقد وردت الأخبار بوصف عملهم ذلك على ما قد حكينا ، وغير ضائر الجهل بذلك إذا كان المراد من علمه المحتاج إليه ، موصلا إلى حقيقته ، وهو أن القوم كانوا يحرمون من أنعامهم على أنفسهم ما لم يحرمه الله ، اتباعا منهم خطوات الشيطان ، فوبخهم الله - تعالى ذكره - بذلك ، وأخبرهم أن كل ذلك حلال . فالحرام من كل شيء عندنا ما حرم الله - تعالى ذكره - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، بنص أو دليل ، والحلال منه ما حلله الله ورسوله كذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث