الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي

قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي

[ تحذير قريش له من الاستماع للنبي صلى الله عليه وسلم ]

قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على ما يرى من قومه ، يبذل لهم النصيحة ، ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه . وجعلت قريش ، حين منعه الله منهم ، يحذرونه الناس ومن قدم عليهم من العرب .

وكان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث : أنه قدم مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها ، فمشى إليه رجال من قريش ، وكان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا ، فقالوا له : يا طفيل ، إنك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا ، وقد فرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه ، وبين الرجل وبين أخيه ، وبين الرجل وبين زوجته ، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا ، فلا تكلمنه ولا تسمعن منه شيئا . [ استماعه لقول قريش ثم عدوله وسماعه من الرسول ]

قال : فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه ، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فرقا من أن يبلغني شيء من قوله ، وأنا لا أريد أن أسمعه . قال : فغدوت إلى المسجد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة . قال : فقمت منه قريبا فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله . قال : فسمعت كلاما حسنا قال : فقلت في نفسي : واثكل أمي ، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته ، وإن كان قبيحا تركته [ التقاؤه بالرسول وقبوله الدعوة ]

قال : فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته فاتبعته ، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه ، فقلت : يا محمد ، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا ، للذي قالوا ، فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك ، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك ، ، فسمعته قولا حسنا ، فاعرض علي أمرك .

قال : فعرض علي رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ، وتلا علي القرآن ، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ، ولا أمرا أعدل منه . قال : فأسلمت وشهدت شهادة الحق ، وقلت : يا نبي الله ، إني امرؤ مطاع في قومي ، وأنا راجع إليهم ، وداعيهم إلى الإسلام ، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه فقال : اللهم اجعل له آية

[ الآية التي جعلت له ]

قال : فخرجت إلى قومي ، حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح فقلت : اللهم في غير وجهي ، إني أخشى ، أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراقي دينهم . قال : فتحول فوقع في رأس سوطي . قال : فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق ، وأنا أهبط إليهم من الثنية ، قال : حتى جئتهم فأصبحت فيهم. [ دعوته أباه إلى الإسلام ]

قال : فلما نزلت أتاني أبي ، وكان شيخا كبيرا ، قال : فقلت : إليك عني يا أبت ، فلست منك ولست مني قال : ولم يا بني ؟ قال : قلت : أسلمت وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم ، قال : أي بني ، فديني دينك ؟ قال : فقلت : فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ، ثم تعال حتى أعلمك ما علمت . قال : فذهب فاغتسل ، وطهر ثيابه . قال : ثم جاء فعرضت عليه الإسلام ، فأسلم .

[ دعوته زوجه إلى الإسلام ]

( قال ) ثم أتتني صاحبتي ، فقلت : إليك عني ، فلست منك ولست مني ، قالت : لم ؟ بأبي أنت وأمي ، قال : ( قلت : قد ) فرق بيني وبينك الإسلام ، وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : فديني دينك ، قال : قلت فاذهبي إلى حنا ذي الشرى - قال ابن هشام : ويقال : حمى ذي الشرى - فتطهري منه .

( قال ) : وكان ذو الشرى صنما لدوس ، وكان الحمى حمى حموه له ، ( و ) به وشل من ماء يهبط من جبل . قال : فقلت بأبي أنت وأمي ، أتخشى على الصبية من ذي الشرى شيئا ، قال : قلت : لا ، أنا ضامن لذلك ، فذهبت فاغتسلت ، ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام ، فأسلمت . [ دعوته قومه إلى الإسلام وما كان منهم ولحاقهم بالرسول ]

ثم دعوت دوسا إلى الإسلام ، فأبطئوا علي ، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، فقلت له : يا نبي الله إنه قد غلبني على دوس الرنا فادع الله عليهم ، فقال : اللهم اهد دوسا ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم . قال : فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام ، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ومضى بدر وأحد والخندق ، ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أسلم معي من قومي ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر . حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس ، ثم لحقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ، فأسهم لنا مع المسلمين [ ذهابه إلى ذي الكفين ليحرقه ]

ثم لم أزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا فتح الله عليه مكة ، قال : قلت : يا رسول الله ، ابعثني إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه . قال ابن إسحاق : فخرج إليه ، فجعل طفيل يوقد عليه النار ويقول :

:


يا ذا الكفين لست من عبادكا ميلادنا أقدم من ميلادكا

:


إني حشوت النار في فؤادكا

[ جهاده مع المسلمين بعد قبض الرسول ، ثم رؤياه ومقتله ]

قال : ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان معه بالمدينة حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وسلم . فلما ارتدت العرب ، خرج مع المسلمين ، فسار معهم حتى فرغوا من طليحة ، ومن أرض نجد كلها . ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ، ومعه ابنه عمرو بن الطفيل ، فرأى رؤيا وهو متوجه إلى اليمامة ، فقال لأصحابه : إني قد رأيت رؤيا فاعبروها لي ، رأيت أن رأسي حلق ، وأنه خرج من فمي طائر ، وأنه لقيتني امرأة فأدخلتني في فرجها ، وأرى ابني يطلبني حثيثا ، ثم رأيته حبس عني ، قالوا : خيرا ، قال : أما أنا والله فقد أولتها ؟ قالوا : ماذا ؟ قال : أما حلق رأسي فوضعه ، وأما الطائر الذي خرج من فمي فروحي ، وأما المرأة التي أدخلتني فرجها فالأرض تحفر لي ، فأغيب فيها ، وأما طلب ابني إياي ثم حبسه عني ، فإني أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابني . فقتل رحمه الله شهيدا باليمامة ، وجرح ابنه جراحة شديدة ، ثم استبل منها ، ثم قتل عام اليرموك في زمن عمر رضي الله عنه شهيدا .

وعن جابر أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، هل لك في حصن حصين ومنعة ؟ قال : حصن كان لدوس في الجاهلية . فأبى ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للذي ذخر الله للأنصار ، فلما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ، هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه ، فاجتووا المدينة ، فمرض فجزع فأخذ مشاقص فقطع بها براجمه ، فشخبت يداه ، فما رقأ الدم حتى مات ، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه في هيئة حسنة ، ورآه مغطيا يديه ، فقال له : ما صنع بك ربك ؟ فقال : غفر لي بهجرتي إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - . قال : فما لي أراك مغطيا يديك ؟ قال : قيل لي : لن يصلح منك ما أفسدت . قال : فقصها الطفيل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اللهم وليديه فاغفر " . رواه مسلم . فائدة قال ابن كثير رحمه الله تعالى: فإن قيل : فما الجمع بين هذا الحديث ، وبين ما ثبت في " الصحيحين " من طريق الحسن عن جندب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح ، فجزع ، فأخذ سكينا فحز بها يده ، فما رقأ الدم حتى مات ، فقال الله عز وجل : عبدي بادرني بنفسه ، فحرمت عليه الجنة " . فالجواب من وجوه ; أحدها : أنه قد يكون ذاك مشركا ، وهذا مؤمن ، ويكون قد جعل هذا الصنيع سببا مستقلا في دخوله النار ، وإن كان شركه مستقلا ، إلا أنه نبه على هذا لتعتبر أمته . الثاني : قد يكون هذاك عالما بالتحريم ، وهذا غير عالم لحداثة عهده بالإسلام . الثالث : قد يكون ذاك فعله مستحلا له ، وهذا لم يكن مستحلا ، بل مخطئا . الرابع : قد يكون أراد ذاك بصنيعه المذكور ، أن يقتل نفسه ، بخلاف هذا ، فإنه يجوز أنه لم يقصد قتل نفسه ، وإنما أراد غير ذلك . الخامس : قد يكون هذاك قليل الحسنات ، فلم تقاوم كبر ذنبه المذكور ، فدخل النار ، وهذا قد يكون كثير الحسنات ، فقاومت الذنب ، فلم يلج النار ، بل غفر له بالهجرة إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولكن بقي الشين في يده فقط ، وحسنت هيئة سائره ، فغطى الشين منه ، فلما رآه الطفيل بن عمرو مغطيا يديه ، قال له : ما لك ؟ قال : قيل لي : لن يصلح منك ما أفسدت . فلما قصها الطفيل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا له فقال : " اللهم ، وليديه فاغفر " . أي فأصلح منها ما كان فاسدا . والمحقق أن الله استجاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صاحب الطفيل بن عمرو . شعر الطفيل لما أسلم وقال الطفيل لما أسلم :


ألا بلغ لديك بني لؤي     على الشنآن والغضب المردي
بأن الله رب الناس فرد     تعالى جده عن كل ند
وأن محمدا عبد رسول     دليل هدى وموضح كل رشد
رأيت له دلائل أنبأتني     بأن سبيله يهدي لقصد
وأن الله جلله بهاء     وأعلى جده في كل جد
وقالت لي قريش عد عنه     فإن مقاله كالغر يعدي
فلما أن أملت إليه سمعي     سمعت مقاله كمشهور شهد
وألهمني هدايا الله عنه     وبدل طالعي نحسي بسعدي
ففزت بما حباه الله قلبي     وفاز محمد بصفاء ودي

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث