الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            النوع العاشر : من المحرمات :

                                                                                                                                                                                                                                            قوله تعالى : ( وأمهات نسائكم ) وفيه مسألتان :

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الأولى : يدخل في هذه الآية الأمهات الأصلية وجميع جداتها من قبل الأب والأم كما بينا مثله في النسب .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين أن من تزوج بامرأة حرمت عليه أمها سواء دخل بها أو لم يدخل ، وزعم جمع من الصحابة أن أم المرأة إنما تحرم بالدخول بالبنت كما أن الربيبة إنما تحرم بالدخول بأمها ، وهو قول علي وزيد وابن عمر وابن الزبير وجابر ، وأظهر الروايات عن ابن عباس ، وحجتهم أنه تعالى ذكر حكمين وهو قوله : ( وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم ) [ النساء : 23 ] ثم ذكر شرطا وهو قوله : ( من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) [ النساء : 23 ] فوجب أن يكون ذلك الشرط معتبرا في الجملتين معا ، وحجة القول الأول أن قوله تعالى : ( وأمهات نسائكم ) جملة مستقلة بنفسها ولم يدل الدليل على عود ذلك الشرط إليه ، فوجب القول ببقائه على عمومه ، وإنما قلنا إن هذا الشرط غير عائد لوجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : وهو أن [ ص: 27 ] الشرط لا بد من تعليقه بشيء سبق ذكره فإذا علقناه بإحدى الجملتين لم يكن بنا حاجة إلى تعليقه بالجملة الثانية ، فكان تعليقه بالجملة الثانية تركا للظاهر من غير دليل ، وأنه لا يجوز .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : وهو أن عموم هذه الجملة معلوم ، وعود الشرط إليه محتمل ؛ لأنه لا يجوز أن يكون الشرط مختصا بالجملة الأخيرة فقط ، ويجوز أن يكون عائدا إلى الجملتين معا ، والقول بعود هذا الشرط إلى الجملتين ترك لظاهر العموم بمخصص مشكوك ، وأنه لا يجوز .

                                                                                                                                                                                                                                            الثالث : وهو أن هذا الشرط لو عاد إلى الجملة الأولى ، فإما أن يكون مقصورا عليها ، وإما أن يكون متعلقا بها وبالجملة الثانية أيضا ، والأول باطل ؛ لأن على هذا التقدير يلزم القول بتحريم الربائب مطلقا ، وذلك باطل بالإجماع ، والثاني باطل أيضا ؛ لأن على هذا التقدير يصير نظم الآية هكذا : وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ، فيكون المراد بكلمة " من " ههنا التمييز ثم يقول : وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ، فيكون المراد بكلمة " من " ههنا ابتداء الغاية كما يقول : بنات الرسول من خديجة ، فيلزم استعمال اللفظ الواحد المشترك في كلا مفهوميه وأنه غير جائز ، ويمكن أن يجاب عنه فيقال : إن كلمة " من " للاتصال كقوله تعالى : ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ) ، وقال عليه الصلاة والسلام : " ما أنا من دد ولا الدد مني " ومعنى مطلق الاتصال حاصل في النساء والربائب معا .

                                                                                                                                                                                                                                            الوجه الرابع في الدلالة على ما قلناه : ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها ، دخل بالبنت أو لم يدخل ، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج البنت ، وطعن محمد بن جرير الطبري في صحة هذا الحديث ، وكان عبد الله بن مسعود يفتي بنكاح أم المرأة إذا طلق بنتها قبل المسيس وهو يومئذ بالكوفة ، فاتفق أن ذهب إلى المدينة فصادفهم مجمعين على خلاف فتواه ، فلما رجع إلى الكوفة لم يدخل داره حتى ذهب إلى ذلك الرجل وقرع عليه الباب وأمره بالنزول عن تلك المرأة .

                                                                                                                                                                                                                                            وروى قتادة عن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت قال : الرجل إذا طلق امرأته قبل الدخول وأراد أن يتزوج أمها فإن طلقها قبل الدخول تزوج أمها ، وإن ماتت لم يتزوج أمها ، واعلم أنه إنما فرق بين الموت والطلاق في التحريم ؛ لأن الطلاق قبل الدخول لا يتعلق به شيء من أحكام الدخول ، ألا ترى أنه لا يجب عليها عدة ؟ وأما الموت فلما كان في حكم الدخول في باب وجوب العدة ، لا جرم جعله الله سببا لهذا التحريم .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية