الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

معراج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى السماء واجتماعه بالأنبياء وحقيقة رؤيا ربه

قال ابن إسحاق : وأخبرني من لا أتهم ، عن أبي سعيد قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لما فرغت مما كان في بيت المقدس أتي بالمعراج ، ولم أر شيئا قط أحسن منه ، وهو الذي يمد إليه ميتكم عينيه إذا حضر ، فأصعدني فيه صاحبي ، حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء ، يقال له : باب الحفظة . عليه ملك من الملائكة يقال له : إسماعيل . تحت يده اثنا عشر ألف ملك ، تحت يدي كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك " . قال : يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا حدث بهذا الحديث : وما يعلم جنود ربك إلا هو [ المدثر : 31 ] ثم ذكر بقية الحديث ، وهو مطول جدا ، وقد سقناه بإسناده ولفظه بكماله في " التفسير " وتكلمنا عليه ; فإنه من غرائب الأحاديث ، وفي إسناده ضعف ، وكذا في سياق حديث أم هانئ ; فإن الثابت في " الصحيحين " ، من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس أن الإسراء كان من المسجد من عند الحجر . وفي سياقه غرابة أيضا من وجوه ، قد تكلمنا عليها هناك ، ومنها قوله : وذلك قبل أن يوحى إليه . والجواب أن مجيئهم أول مرة كان قبل أن يوحى إليه ، فكانت تلك الليلة ولم يكن فيها شيء ، ثم جاءه الملائكة ليلة أخرى ولم يقل في ذلك : وذلك قبل أن يوحى إليه . بل جاءه بعد ما أوحي إليه ، فكان الإسراء قطعا بعد الإيحاء ; إما بقليل كما زعمه طائفة ، أو بكثير نحو من عشر سنين ، كما زعمه آخرون ، وهو الأظهر ، وغسل صدره تلك الليلة قبل الإسراء غسلا ثانيا ، أو ثالثا ، على قول ; لأنه مطلوب إلى الملأ الأعلى والحضرة الإلهية . ثم ركب البراق رفعة له وتعظيما وتكريما ، فلما جاء بيت المقدس ربطه بالحلقة التي كانت تربط بها الأنبياء ، ثم دخل بيت المقدس فصلى في قبلته تحية المسجد . وأنكر حذيفة رضي الله عنه دخوله إلى بيت المقدس وربطه الدابة وصلاته فيه . وهذا غريب ، والنص المثبت مقدم على النافي . ثم اختلفوا في اجتماعه بالأنبياء وصلاته بهم ; أكان قبل عروجه إلى السماء كما دل عليه ما تقدم ، أو بعد نزوله منها . كما دل عليه بعض السياقات ، وهو أنسب ، كما سنذكره على قولين . فالله أعلم . وقيل : إن صلاته بالأنبياء كانت في السماء . وهكذا تخيره من الآنية اللبن والخمر والماء ; هل كانت ببيت المقدس ، كما تقدم ، أو في السماء ، كما ثبت في الحديث الصحيح .

والمقصود أنه - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من أمر بيت المقدس نصب له المعراج ، وهو السلم ، فصعد فيه إلى السماء ، ولم يكن الصعود على البراق ، كما قد يتوهمه بعض الناس ، بل كان البراق مربوطا على باب مسجد بيت المقدس ; ليرجع عليه إلى مكة ، فصعد من سماء إلى سماء في المعراج حتى جاوز السابعة ، وكلما جاء سماء ، تلقته منها مقربوها ، ومن فيها من أكابر الملائكة والأنبياء ، وذكر أعيان من رآه من المرسلين ; كآدم في سماء الدنيا ، ويحيى وعيسى في الثانية ، وإدريس في الرابعة ، وموسى في السادسة ، على الصحيح ، وإبراهيم في السابعة مسندا ظهره إلى البيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ، يتعبدون فيه صلاة وطوافا ، ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة ، ثم جاوز مراتبهم كلهم ، حتى ظهر لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام ، ورفعت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سدرة المنتهى ، وإذا ورقها كآذان الفيلة ، ونبقها كقلال هجر ، وغشيها عند ذلك أمور عظيمة ; ألوان متعددة باهرة ، وركبتها الملائكة مثل الغربان على الشجر كثرة ، وفراش من ذهب ، وغشيها من نور الرب جل جلاله ، ورأى هناك جبريل ، عليه السلام ، له ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين السماء والأرض ، وهو الذي يقول الله تعالى : ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى [ النجم : 13 - 17 ] أي : ما زاغ يمينا ولا شمالا ، ولا ارتفع عن المكان الذي حد له النظر إليه ، وهذا هو الثبات العظيم ، والأدب الكريم ، وهذه الرؤيا الثانية لجبريل عليه السلام ، على الصفة التي خلقه الله تعالى عليها ، كما نقله ابن مسعود وأبو هريرة وأبو ذر وعائشة ، رضي الله عنهم أجمعين . والأولى هي قوله تعالى : علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى [ النجم : 5 - 10 ] وكان ذلك بالأبطح تدلى جبريل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض ، حتى كان بينه وبينه قاب قوسين أو أدنى ، هذا هو الصحيح في " التفسير " كما دل عليه كلام أكابر الصحابة المتقدم ذكرهم رضي الله عنهم . فأما قول شريك عن أنس في حديث الإسراء : ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى . فقد يكون من فهم الراوي فأقحمه في الحديث . والله أعلم . وإن كان محفوظا ، فليس بتفسير للآية الكريمة ، بل هو شيء آخر غير ما دلت عليه الآية الكريمة . والله أعلم .

وفرض الله سبحانه وتعالى ، على عبده محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى أمته الصلوات ليلتئذ ، خمسين صلاة في كل يوم وليلة ، ثم لم يزل يختلف بين موسى وبين ربه عز وجل . حتى وضعها الرب جل جلاله ، وله الحمد والمنة ، إلى خمس . وقال : " هي خمس وهي خمسون : الحسنة بعشر أمثالها " . فحصل له التكليم من الرب عز وجل ليلتئذ ، وأئمة السنة كالمطبقين على هذا ، واختلفوا في الرؤية ; فقال بعضهم : رآه بفؤاده مرتين . قاله ابن عباس وطائفة ، وأطلق ابن عباس وغيره الرؤية ، وهو محمول على التقييد . وممن أطلق الرؤية أبو هريرة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما ، وصرح بعضهم بالرؤية بالعينين ، واختاره ابن جرير وبالغ فيه ، وتبعه على ذلك آخرون من المتأخرين . وممن نص على الرؤية بعيني رأسه : الشيخ أبو الحسن الأشعري فيما نقله السهيلي عنه ، واختاره الشيخ أبو زكريا النووي في " فتاويه " . وقالت طائفة : لم يقع ذلك ; لحديث أبي ذر في " صحيح مسلم " ، قلت : يا رسول الله ، هل رأيت ربك ؟ فقال : " نور أنى أراه " وفي رواية : " رأيت نورا " . قالوا : ولم يمكن رؤية الباقي بالعين الفانية ، ولهذا قال الله تعالى لموسى فيما روي في بعض الكتب الإلهية : يا موسى ، إنه لا يراني حي إلا مات ، ولا يابس إلا تدهده . والخلاف في هذه المسألة مشهور بين السلف والخلف . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث