الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا

جزء التالي صفحة
السابق

( فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون ) .

[ ص: 189 ] ( فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا ) كان للعرب في الجاهلية مجامع في الموسم يفاخرون فيها بآبائهم ويذكرون أنسابهم وفعالهم ، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم يقول الرجل منهم : كان أبي يطعم ويحمل الحمالات ويحمل الديات ، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم ، فأنزل الله هذه الآية . ولابن جرير عن مجاهد : كانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا عند الجمرة وذكروا آباءهم إلخ . وروي أنهم كانوا يقفون بمنى بين المسجد والجبل يتفاخرون ويتعاكظون ويتناشدون ، فأمرهم الله تعالى بأن يذكروا الله تعالى بعد قضاء المناسك وهي أعمال الحج كما كانوا يذكرون آباءهم في الجاهلية أو أشد من ذكرهم إياهم . وقد كان في حجة الوداع أن خطب النبي في اليوم الثاني من أيام التشريق فأرشدهم إلى ترك تلك المفاخرات .

روى أحمد من حديث أبي نضرة قال : حدثني من سمع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق فقال : ( ( يا أيها الناس إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا لأحمر على أسود ، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى . أبلغت ؟ ) ) قالوا : بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقوله تعالى : ( أو أشد ذكرا ) معناه ظاهر وهو بل اذكروه أشد من ذكركم آباءكم وفيه من الإيجاز ما ترى حسنه . قال الأستاذ الإمام : وقد تعسف في إعرابه الذين حكموا النحو الذي وضعوه في القرآن ، ويعجبني قول بعض الأئمة ، وأظن أنه أبو بكر بن العربي : من العجيب أن النحويين إذا ظفر أحدهم ببيت شعر لأحد أجلاف الأعراب يطير فرحا به ويجعله قاعدة ، ثم يشكل عليه إعراب آية من القرآن فلا يتخذها قاعدة ، بل يتكلف في إرجاعها إلى كلام أولئك الأجلاف وتصحيحها به كأن كلامهم هو الأصل الثابت ، ويعجبني أيضا ما قاله أبو البقاء وهو أن للقرآن إيجازا واختصارا في بعض المواضع المفهومة من المقام ، وهو أن المعنى هنا أو كونوا أشد ذكرا ، ومثل هذا شائع في اللغة ، وقال الأستاذ هنا كلمته التي يكررها في مثل هذا المقام وهي أنه كان يجب أن يكون القرآن مبدأ إصلاح في اللغة العربية ، وقد ذكرناها من قبل .

ثم بين تعالى أن الذين يذكرونه فيدعونه على قسمين : ( فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ) الخلاق النصيب والحظ . ذكر تعالى أن هذا الفريق يطلب حظ الدنيا مطلقا ولم يقل إنه يطلب حسنة فيها ; لأن من كانت الدنيا كل همه لا يبالي أكانت شهواته وحظوظه حسنة أم سيئة ، فهو يطلب الدنيا من كل باب ، ويسلك إليها كل طريق ، لا يميز بين نافع لغيره ولا ضار ، فباستيلاء حب الدنيا عليه لم يكن للآخرة وما أعده الله فيها للمتقين من الرضوان موضع من نفسه يرجوه ويدعو الله فيه ، كما أنه لا يخاف [ ص: 190 ] ما توعد الله به المجرمين فيها فيلجأ إليه تعالى بأن يقيه شره ، فحرمان هذا الفريق من خلاق الآخرة هو أثر كسبه وسوء اختياره ، وتفضيله حظوظ الدنيا الفانية على سعادة الآخرة الباقية ; لأنه يعمل للأولى كل ما يستطيع من أسباب الحلال والحرام ، حتى إنه لا يسأل ربه إلا المزيد من حظوظها وشهواتها . وقد ينالها كثير من الناس بدون هم كبير في العمل لها ، ولا يعمل للآخرة وقد اشترط لسعادتها خير العمل ، فقال تعالى : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ) ( 17 : 18 ، 19 ) الآيات . وبالله ما أبلغ حذف مفعول ( آتنا ) في هذا المقام فهو من دقائق الإيجاز التي تحار فيها الأفهام ، وتعجز عنها قرائح الأنام ، فإنه بدلالته على العموم يشمل كل ما يعنى به أفراد هؤلاء الناس المتفاوتي الهمم المختلفي الأهواء من الحظوظ والشهوات ، حسنها وقبيحها ، خيرها وشرها ، كبيرها وخسيسها ، وما لا يليق ذكره منها .

وقد اختلف المفسرون في تعيين هذا الفريق فقيل : هم الكفار الذين لا يؤمنون بالآخرة ، واستدلوا بما روي عن ابن عباس وأنس من دعاء المشركين في ذلك المقام بحظوظ الدنيا ، وقيل : هم المسلمون الذين لم تمس أسرار الدين وحكمه قلوبهم ، ولم تشرق أنوار هدايته على أرواحهم ، بل اكتفوا بالتقليد في رسومه الظاهرة ، فكان همهم في الدنيا دون الآخرة ، وذكروا هنا ما روي في المرفوع من أن الله تعالى يؤيد هذا الدين بمن لا خلاق لهم . واستدلوا على صحة رأيهم بالسياق ، ولا شك أن هذا القسم موجود في المسلمين كما وجد في كل أمة ، ومن بلا الناس وفلاهم عرف ذلك .

( ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ) أي : ومنهم من يطلب خير الدنيا والآخرة جميعا ، لا حظوظ الدنيا وحدها كيفما كانت كالفريق الأول ، وقد اختلف المفسرون في تعيين الحسنة هل هي العافية أو الكفاف أو المرأة الصالحة أو الأولاد الأبرار أو المال الصالح أو العلم والمعرفة أو العبادة والطاعة ، وروي بعض هذه الأقوال عن بعض السلف ، ولعل كل ذي قول يطلقها على المهم عنده ، والظاهر أن ( حسنة ) وصف لمحذوف أي حياة حسنة ، وانظر بم تكون حياة المرء حسنة فيكون سعيدا في الدنيا ، فمن دعا الله تعالى دعاء إجماليا فليدعه بسعادة الدنيا والآخرة والحياة الطيبة فيهما يكن مهتديا بالآية . ومن كانت له حاجة خاصة فدعاه لها من حيث هي حسنة فهو مهتد بها ، على أنهم اختلفوا في حسنة الآخرة أيضا فقيل : الجنة ، وقيل : الرؤية ، واختلفوا في عذاب النار ، ورووا عن علي كرم الله وجهه أنه المرأة السوء . وقد علم مما تقدم في تفسير ( أجيب دعوة الداع إذا دعان ) ( 2 : 186 ) أن الطلب من الله تعالى إنما يكون باتباع سنته في الأسباب والمسببات [ ص: 191 ] والتوجه إليه تعالى واستمداد المعونة والتوفيق منه ، للهداية إلى ما يعجز العبد عنه ، وعلى هذا يتخرج تفسير الحسن لقوله تعالى : ( وقنا عذاب النار ) بقوله : أي احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إليها ، فطلب الحياة الحسنة في الدنيا يكون بالأخذ بأسبابها المجربة في الكسب والنظام في المعيشة ، وحسن معاشرة الناس بآداب الشريعة والعرف ، وقصد الخير في الأعمال كلها ، وتوقي الشرور كلها ، وطلب الحياة الحسنة في الآخرة يكون بالإيمان الخالص ومكارم الأخلاق والعمل الصالح بقدر الاستطاعة ، وطلب الوقاية من النار يكون بترك المعاصي واجتناب الرذائل والشهوات المحرمة ، مع القيام بالفرائض المحتمة . هذا هو الطلب بلسان القلب والعمل ، وأما الطلب بلسان المقال فهو يصدق بما يذكر القلب بأن هذه الأسباب من الله ، فالسعي لها مع الإيمان هو عين الطلب من فيضه وإحسانه ، مضت سنته بأن يعطي بها فضلا منه ورحمة ، لا بخوارق العادات التي لا يعلم محلها وحكمتها غيره ، وأنه لا يرجع إلى سواه في الهداية إلى ما خفي والمعونة على ما عسر .

ولم يذكر في التقسيم من لا يطلب إلا حسنة الآخرة ; لأن التقسيم لبيان ما عليه الناس في الواقع ونفس الأمر بحسب داعي الجبلة وتأثير التربية وهدي الدين ، ولا يكاد يوجد في البشر من لا تتوجه نفسه إلى حسن الحال في الدنيا مهما يكن غالبا في العمل للآخرة ; لأن الإحساس بالجوع والبرد والتعب يحمله كرها على التماس تخفيف ألم ذلك الإحساس ، والشرع يكلفه ذلك بما يقدر عليه من أسبابه ، وقد جعل عليه حقوقا لبدنه ولأهله وولده ولرحمه ولزائريه وإخوانه وأمته لا تصح عبوديته إلا بدعاء الله تعالى فيها .

وفي الآية إشعار بأن هذا الغلو مذموم خارج من سنن الفطرة وصراط الدين معا ، وما نهى الله أهل الكتاب عن الغلو في الدين وذمهم على التشدد فيه إلا عبرة لنا ، وقد نهانا عنه نبينا - صلى الله عليه وسلم - وفي حديث أنس عند البخاري ومسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا رجلا من المسلمين قد صار مثل الفرخ المنتوف فقال له : ( ( هل كنت تدعو الله بشيء ؟ ) ) قال : نعم كنت أقول : اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ( سبحان الله إذا لا تطيق ذلك ولا تستطيعه فهلا قلت : ( ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) ) ودعا له فشفاه الله تعالى .

وأبعد من هذا في الغلو أن بعض الصوفية سمع قارئا يتلو قوله تعالى : ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) ( 3 : 152 ) فصاح أواه فأين من يريد الله ؟ وهو قول حسن الظاهر قبيح الباطن ، فالآية خطاب لخيار الصحابة وهو وشيخه من الصوفية لم يبلغوا مد أحدهم ولا نصيفه ، فإرادة الدنيا والآخرة بالحق إرادة لمرضاة الله وعمل بسنته وشرعه ، والمراد بالدنيا فيها الغنيمة في الحرب ، وبالآخرة الشهادة في سبيل الله ، فهل يظن بجهله [ ص: 192 ] أن من شهد الله تعالى لهم بأنهم بذلوا أنفسهم في سبيله ونصر رسوله وآثروا الشهادة في القتال على الغنيمة أنهم لا يريدون الله ؟ وقد ورد في الصحيح أن الآية كانت أكثر دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فهل يدعي ذلك الصوفي وأمثاله من الغلاة أنهم أشد حبا منه لله وطلبا له عز وجل ؟ ( أقول ) : كلا إنما هي فلسفة خيالية من خيالات وحدة الوجود البرهمية الهندية قد شغل بها أفراد عن فطرة الله وشرعه معا فجعلوها أعلى مراتب العبودية ، وتأولوا لها بعض آيات الكتاب العزيز كقوله تعالى : ( يريدون وجهه ) ( 18 : 28 ) وما إرادة وجهه تعالى إلا الإخلاص له في كل عمل مشروع من مصالح الدين والدنيا وتحري هداية دينه فيه ، لا ما تخيلوه من أن إرادة وجهه تعالى هو الوصول إلى ذاته بعد التجرد من كل نعمة في الدنيا والأخرة جميعا ، فإن الاتصال بتلك الذات العلية القدسية التي لا تدركها العقول ولا تدنو من كنهها الأفكار ولا الأوهام ، مما لم يتعلق به تكليف ، ولم يرد به شرع ، بل إدراك كنه الذوات المخلوقة له تعالى فوق استطاعة خلقه . وإنما أعلى مراتب معرفة الله تعالى في الدنيا هي معرفة كل شيء به ، ومعرفته في كل شيء وبكل شيء ، ودعاؤه بكل اسم من أسمائه بما يناسب تعلقه بشئون عباده ، وبهذا فضل جمهور أهل السنة خيار البشر على الملائكة الذين يعبد كل منهم ربه عبادة خاصة ، والمؤمن الكامل من يعرف حق ربه على عباده وما شرعه من حقوق بعضهم على بعض ، والقيام في كل ذلك بذكره وشكره وحبه والتوكل عليه والإخلاص له ، وأعلى مراتب معرفته في الآخرة هو مقام الرؤية بتجليه الأعلى في جنات عدن ، والاشتغال بذكر الجزاء عن العمل الموصل إليه جهل لا علم ولا معرفة .

ثم قال تعالى بيانا لمن يسأل عن حظ هؤلاء : ( أولئك لهم نصيب مما كسبوا ) الإشارة بــ ( أولئك ) إلى الذين يطلبون سعادة الدارين ، والحسنة في المنزلتين ; لأن حكم الفريق الذي يطلب الدنيا وحدها قد علم من قوله تعالى : ( وما له في الآخرة من خلاق ) ( 2 : 200 ) فإن العطف يشعر بمحذوف كأنه قال : هذا الفريق له حظه من الدنيا وما له في الآخرة من حظ سواه ، ومجموع الكلام في الفريقين بمعنى قوله تعالى : ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ) ( 42 : 20 ) وقد بينت الآية صريحا أنهم يعطون ما دعوا الله تعالى فيه بكسبهم ، وهذا نص فيما تقدم من معنى الدعاء وأنه لا بد أن يكون طلب اللسان مطابقا لما في النفس من الشعور بالحاجة إلى الله تعالى بعد الأخذ بالأسباب والسعي في الطرق التي مضت سنة الله تعالى ; ولهذا قال : ( مما كسبوا ) ولم يقل : لهم ما طلبوا . والمعنى أنهم لما كانوا يطلبون الدنيا بأسبابها ويسعون للآخرة سعيها ، كان لهم حظ من كسبهم هذا في الدارين على قدره ( والله سريع الحساب ) يوفي كل كاسب أجره عقب عمله بحسبه ; لأن سنته مضت بأن تكون الرغائب آثار الأعمال ، [ ص: 193 ] فهو يوفي كل عامل عمله بلا إبطاء ، وكما يكون الجزاء سريعا في الدنيا كذلك يكون في الآخرة ، فإن أثر الأعمال الصالحة يظهر للمرء عقب الموت وهو أول قدم يضعها في باب عالم الآخرة .

وهذا أحسن بيان لما قالوه في تفسير ( سريع الحساب ) من أنه إجابة الدعاء . والأكثرون على أن المراد حساب الآخرة ، واختلفوا في كيفية ذلك على أقوال أقربها إلى التصور أن سرعة الحساب عبارة عن إطلاع كل عامل على عمله أو إعلامه بما له مما كسب ، وما عليه مما اكتسب وذلك يتم في لحظة ، وقد ورد أن الله تعالى يحاسب الخلائق كلهم في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا ، وورد : في قدر فواق الناقة ، وورد : بمقدار لمحة البصر .

أقول : هذا ما كنت كتبته في تفسير الآية بالمعنى الذي قرره شيخنا ( رحمه الله ) من كون النصيب فيها شاملا لجزاء هذا الفريق في الدنيا والآخرة معا ، وطبع في حياته ، ثم فكرت في التعبير عنه بمن التبعيضية ( مما كسبوا ) والحال أن جزاء الآخرة يضاعف ، وأن الدنيا هي التي لا ينال الناس فيها كل ما يطلبون بكسبهم ولا دعائهم وفاقا لاستشهادي عليه آنفا بآيات سورة الإسراء ( عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ) ( 17 : 18 ) فرجح عندي أن المراد هنا بالنصيب من الكسب ما يكون في الدنيا ، وأشار إلى جزاء الآخرة بسرعة الحساب الذي يكون الجزاء في أثره ، وهو ما حكيته عن الجمهور .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث