الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الفصل الثاني: أبعاد التحقق التاريخي

والنتيجة المحتومة التي تمخضت عن هـذه التحولات الحاسمة عقيديا ومعرفيا.. تشكل عقل جديد قدير على الاستيعاب والفعل والإضافة والإبداع..

وهكذا فإن النقلة أو التحول الحضاري الكبير الذي نفذه المسلمون، وتحققوا به عبر قرون التألق والعطاء إنما جاء ثمرة " للعقلية " التي صاغها الإسلام ومكنها بتحولاته الخطيرة تلك من أن تؤدي دورها الشامل في تكوين وإغناء الحضارة الإسلامية..

ولم تكن هـذه النقلة الحضارية، بحال، أقل خطورة من النقلات [ ص: 63 ] الثلاث التي مهدت لها وقت أمامها الطريق.. فلقد كانت على درجة من الثقل والامتداد ما جعلها أمرا تاريخيا مشهودا قدم إسهامه المتنوع الغزير ليس فقط على مستوى الجغرافية الإسلامية وإنما جغرافية العالم الحضاري كلها..

إن الأفكار أو النشاط العقلي بعبارة أخرى هـو الذي يسهم جنبا إلى جنب مع قوى الإنسان الأخرى، وطاقاته المتشعبة في صناعة الحضارات، وليس العكس مما تقول به بعض النظريات التي أكدت رجعيتها آخر معطيات العلم الحديث... صحيح أن الصيغة الحضارية تؤثر في العملية العقلية وتؤدي دورا أكيدا في توجهاتها.. ولكن مفتاح الحركة والكلمة الفاعلة فيها هـي للعقل أولا وأخيرا..

وهكذا فإن قيام الدين الجديد بتشكيل عقل إسلامي فعال بالمواصفات التي تحدثنا عنها، ومن خلال تحولات جذرية على المستويات كافة العقيدية والمعرفية والمنهجية.. كان بمثابة إرهاص لمولد طاقة حضارية فذة كان لابد أن " تلد " عطاءها المتواصل بعد أن نضج الجنين في رحم تهيأت له شروط الميلاد الميسور كافة..

واليوم فإنه ليس بمقدور قوة في الأرض أن تبعث المسلمين من جديد للفعل الحضاري ما لم تتهيأ له الشروط والمواصفات نفسها.. ما لم تتحقق بالتحولات الحاسمة ذاتها : عقيديا ومعرفيا ومنهجيا..

لقد شهد التاريخ حضارة الإسلام المبدعة.. وكان الأمر في التحليل النهائي بمثابة تحقق في الزمان والمكان للرؤية التي تنزل بها هـذا الدين فأعاد من خلالها صياغة الروح والقلب والعقل والضمير.. ولولاها.. لما كان بمقدور العربي بمواصفاته التقليدية [ ص: 64 ] القديمة أن يفعل عشر معشار هـذا الذي فعله بعد إعادة تشكله بالمؤثرات والتحولات التي صنعها الإسلام..

ولقد امتد " الفعل الحضاري الإسلامي " لكي يغطي اتجاهات ثلاثة، انضفرت في نهاية الأمر لكي تعزز الوجود الحضاري الإسلامي وتغنيه من جهة، ولكي ترفد مجرى الحضارات البشرية بالعطاء المتنوع الواحد من جهة أخرى..

فأما أولى هـذه الاتجاهات فتتمثل باحترام الحضارة الإسلامية للتراث الحضاري البشري الذي سبقها وعاصرها.. ولم يكن العقل الإسلامي الجديد بالذي يتشنج في دائرة الذات، وينقفل على حدود الأنا.. بل لقد علمته العقيدة التي أعادت تشكيله تقاليد الانفتاح المرن على كل حضارة أو إنجاز ما دام أنه قد يتضمن جانبا من الحكمة التي يتحرق بحثا عنها.. ولقد أصبحت هـذه التقاليد بالنسبة إليه ممارسات يومية وعادات سائدة امتدت لكي تغطى مسيرته الطويلة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث