الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

يوم الغبيط

وهو يوم كانت الحرب فيه بين بني شيبان وتميم ، وأسر فيه بسطام بن قيس الشيباني .

وسبب ذلك أن بسطام بن قيس والحوفزان بن شريك ومفروق بن عمرو ساروا في جمع من بني شيبان إلى بلاد تميم ، فأغاروا على ثعلبة بن يربوع وثعلبة بن سعد بن ضبة وثعلبة بن عدي بن فزارة وثعلبة بن سعد بن ذبيان ، وكانوا متجاورين بصحراء فلج ، فاقتتلوا ، فانهزمت الثعالبة ، وقتل منهم مقتلة عظيمة ، وغنم بنو شيبان أموالهم ، ومروا على بني مالك بن حنظلة من تميم ، وهم بين صحراء فلج وغبيط المدرة فاستاقوا إبلهم . فركبت إليهم بنو مالك يقدمهم عتيبة بن الحارث بن شهاب اليربوعي وفرسان بني يربوع ، وساروا في أثر بني شيبان ، ومعه من رؤساء تميم الأحيمر بن عبد الله وأسيد بن جباة وحر بن سعد ومالك بن نويرة ، فأدركوهم بغبيط المدرة فقاتلوهم . وصبر الفريقان ، ثم انهزمت شيبان واستعادت تميم ما كانوا غنموه من أموالهم ، وقتلت بنو شيبان أبا مرحب ربيعة بن حصية ، وألح عتيبة بن الحارث على بسطام بن قيس فأدركه فقال له : استأسر أبا الصهباء فأنا خير لك من الفلاة والعطش ، فاستأسر له بسطام بن قيس . فقال بنو ثعلبة لعتبة : إن أبا مرحب قد قتل وقد أسرت بسطاما ، وهو [ ص: 536 ] قاتل مليل وبجير ابني أبي مليل ومالك بن حطان وغيرهم فاقتله . قال : إني معيل وأنا أحب اللبن . قالوا : إنك تفاديه فيعود فيحربنا مالنا ، فأبى عليهم وسار به إلى بني عامر بن صعصعة لئلا يؤخذ فيقتل ، وإنما قصد عامرا لأن عمته خولة بنت شهاب كانت ناكحا فيهم ، فقال مالك بن نويرة في ذلك :

لله عتاب بن مية إذ رأى إلى ثأرنا في كفه يتلدد     أتحيي امرأ أردى بجيرا ومالكا
وأتوى حريثا بعدما كان يقصد     ونحن ثأرنا قبل ذاك ابن أمه
غداة الكلابيين والجمع يشهد



فلما توسط عتيبة بيوت بني عامر صاح بسطام : وا شيباناه ! ولا شيبان لي اليوم ! فبعث إليه عامر بن الطفيل : إن استطعت أن تلجأ إلى قبتي فافعل فإني سأمنعك ، وإن لم تستطع فاقذف نفسك في الركي . فأتى عتيبة تابعه من الجن فأخبره بذلك ، فأمر ببيته فقوض . فركب فرسه وأخذ سلاحه ثم أتى مجلس بني جعفر ، وفيه عامر بن الطفيل الغنوي ، فحياهم وقال : يا عامر قد بلغني الذي أرسلت به إلى بسطام فأنا مخيرك فيه خصالا ثلاثا . فقال عامر : وما هي ؟ قال : إن شئت فأعطني خلعتك وخلعة أهل بيتك حتى أطلقه لك ، فليست خلعتك وخلعة أهل بيتك بشر من خلعته وخلعة أهل بيته . فقال عامر : هذا لا سبيل إليه . قال عتيبة : ضع رجلك مكان رجله فلست عندي بشر منه . فقال : ما كنت لأفعل . قال عتيبة : تتبعني إذا جاوزت هذه الرابية فتقارعني عنه على الموت . فقال عامر : هذه أبغضهن إلي . فانصرف به عتيبة إلى بني عبيد بن ثعلبة فرأى بسطام مركب أم عتيبة رثا فقال : يا عتيبة هذا رحل أمك ؟ قال : نعم . قال : ما رأيت رحل أم سيد قط مثل هذا . فقال عتيبة : واللات والعزى لا أطلقك حتى تأتني أمك بحدجها ، وكان كبيرا ذا ثمن كثير ، وهذا الذي أراد بسطام ليرغب فيه فلا يقتله . فأرسل بسطام فأحضر حدج أمه وفادى نفسه بأربعمائة بعير ، [ ص: 537 ] وقيل بألف بعير ، وثلاثين فرسا وهودج أمه وحدجها ، وخلص من الأسر . فلما خلص من الأسر أذكى العيون على عتيبة وإبله ، فعادت إليه عيونه فأخبروه أنها على أرباب ، فأغار عليها وأخذ الإبل كلها وما لهم معها .

( عتيبة بالتاء فوقها نقطتان ، والياء تحتها نقطتان ساكنة ، وفي آخرها باء موحدة ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث