الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 538 ] باب النهي عن الرقى ونسخه الرقى والتمائم شرك - رأي لبعض أهل العلم - دليلهم - رواية أخرى - حديث مرسل للزهري وأخرى له - حديث أسماء بنت عميس - حديث لعمير مولى آبي اللحم .

أخبرني محمد بن إبراهيم بن علي ، أخبرنا أبو زكريا العبدي ، أخبرنا محمد بن أحمد الكاتب ، أخبرنا عبد الله بن محمد ، حدثنا أبو بكر البزار ، حدثنا بشر بن آدم ابن بنت أزهر ، حدثنا عثمان بن عمر ، أخبرنا إسرائيل ، عن ميسرة بن حبيب ، عن المنهال بن عمر ، عن قيس بن السكن ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : كان مما حفظنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الرقى والتمائم والتولة شرك ، فقالت له امرأته : ما التولة ؟ قال : التهيج .

هذا الحديث يروى موقوفا ومرفوعا والموقوف أحفظ ، كذلك يرويه الأعلام .

وذهب بعضهم إلى أن النبي لما قدم المدينة نهى عن الرقى مطلقا ، ثم نسخ ذلك ، وتمسكوا في ذلك بأحاديث .

قرأت على أبي موسى الحافظ ، أخبرك أبو علي ، أخبرنا أبو أحمد العبدي ، أخبرنا عبد الله بن محمد ، أخبرنا إسحاق ، حدثنا جرير ووكيع ، [ ص: 539 ] عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر بن عبد الله قال : كان خالي من الأنصار ، وكان يرقي من الحية ، فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرقى ، فأتاه فقال : يا رسول الله ، إنك نهيت عن الرقى ، وإني كنت أرقي من الحية . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل .

أخبرني محمد بن علي ، أخبرنا أحمد بن الحسن في كتابه ، أخبرنا الحسن بن أحمد ، أخبرنا دعلج ، أخبرنا أبو عبد الله الصائغ ، حدثنا سعيد ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرقى ، وكان عند آل عمرو بن حزم رقية يرقون بها من العقرب فأتوه فقالوا : يا رسول الله ، إنك نهيت عن الرقى ، وكانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب فقال : فعرضتها عليه ، فقال : ما أرى بأسا ، من استطاع أن ينفع أخاه منكم فلينفعه .

ويحتمل أن يقال : لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن مطلق الرقى ، بل قد نهى عن رقى مخصوصة ، وذلك أنه حين قدم المدينة رأى معهم رقى يخالطها الشرك ، فنهى عن تلك الرقى ، وأما ما كانت تشتمل على أسماء الله تعالى فلم يكن قد نهى عنها ، يدل على ما ذكرناه أثر الزهري .

أخبرني محمد بن جعفر ، أخبرنا أبو سعد المطرز في كتابه ، أخبرنا أحمد بن عبد الله ، حدثنا سليمان بن أحمد ، أخبرنا إسحاق ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري قال : قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة وهم يرقون رقى يخالطها الشرك ، فنهى عن الرقى ، فلدغ رجل من أصحابه لدغته حية ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : هل من راق يرقيه ؟ فقال رجل : إني كنت أرقي [ ص: 540 ] برقية ، فلما نهيت عن الرقى تركتها . قال : فاعرضها علي . فعرضها عليه ، فلم ير بها بأسا ، فأمره فرقاه .

وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي ، حدثنا علي ابن المديني ، أخبرنا الضحاك بن مخلد ، أخبرنا ابن جريج ، أخبرني العباس - هو الجزري - عن ابن شهاب ، قال : بلغني عن رجل من أهل العلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الرقى حين قدم المدينة ، وكانت الرقى في ذلك الزمان فيها كثير من كلام الشرك ، فانتهى الناس ، فبينا هم على ذلك لدغت رجلا من الأنصار حية ، فقال : التمسوا راقيها ، فقيل له : إنه كان آل حزم يرقون منها حتى نهيت عنها ، فقال : ادعوا لي عمارة بن حزم . فقال : اعرض علي رقيتك . فعرض عليه ، فلم ير بأسا ، فأذن لهم ، وقال : من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه .

أخبرني محمد بن إبراهيم بن علي ، أخبرنا أبو زكريا العبدي ، أخبرنا محمد بن أحمد الكاتب ، أخبرنا عبد الله بن محمد ، أبو الشيخ الحافظ ، حدثنا محمد بن حمزة ، حدثنا ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأسماء بنت عميس : ما لي أرى بني أخي ضارعة أتصيبهم الحاجة ؟ قلت : لا ، ولكن العين تسرع إليهم ؛ أفأرقيهم ؟ فقال : بماذا ؟ فعرضت عليه كلاما لا بأس به ، فقال : ارقيهم .

أخبرنا أبو العلاء الحافظ ، أخبرنا جعفر بن عبد الواحد ، أخبرنا محمد بن عبد الله الضبي ، حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا محمود بن محمد الواسطي ، حدثنا وهب بن بقية ، أخبرنا خالد بن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن محمد بن يزيد ، عن عمير مولى آبي اللحم قال : عرضت على النبي - صلى الله عليه وسلم - رقية كنت أرقي بها المجانين في الجاهلية ، فقال : اطرح منها كذا ، واطرح منها كذا ، وارق منها بكذا .

[ ص: 541 ] فقد دلت هذه الأحاديث على صحة ما ذكرناه ، وأن النهي تناول ما كان من قبيل الشرك دون ما كان من أسماء الله تعالى ، وعلى هذا الاحتمال لا حاجة بنا إلى الحكم بالنسخ ؛ لإمكان الجمع بين الأخبار ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث