الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل

في شمول النصوص للأحكام وموافقة ذلك للقياس الصحيح قال الله تعالى: الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ، وقال: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط . فأخبر أنه أنزل مع رسوله الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط. وقوله: وأنزلنا معهم دليل على أن الميزان مما جاءت به الرسل، كما ذكر أنه أنزل الكتاب والحكمة، وأنه أوحى القرآن والإيمان في قوله: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا . [ ص: 254 ]

وفي الصحيحين عن حذيفة قال: حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

حديثين، قد رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة تنزل في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة. ثم حدثنا عن رفع الأمانة، قال: "ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل المجل، كجمر دحرجته على رجلك، فنفط، فتراه منتبرا وليس فيه شيء"
... الحديث .

والجذر: الأصل، والأمانة: الإيمان. فأخبر أن الله سبحانه أنزل الإيمان في أصل قلوب الرجال، وقد قال تعالى: أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها الأمثال إلى قوله الأمثال .

وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، [ ص: 255 ] فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها طائفة أمسكت الماء، فشربت الناس وسقوا وزرعوا، وكانت منها طائفة إنما هي قيعان، لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به من الهدى والعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ".

فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث مثل ما جاء به بالماء الذي ينزل على الأرض، وشبه القلوب بالأرض، والهدى والعلم الذي أنزله الله تعالى بالماء الذي نزل على الأرض، وجعل الناس ثلاثة أقسام: قسما سمعوا وفقهوا وعلموا، وقسما حفظوه وبلغوا غيرهم فانتفعوا به، وقسما لا هذا ولا هذا.

هذا المثل يطابق المثل الذي في القرآن، حيث شبه الله القلوب بالأودية التي منها كبار تسع ماء كثيرا، وصغار لا تسع إلا ماء قليلا، كما أن القلوب منها ما تسع علما عظيما، ومنها ما لا تسع إلا دون ذلك، وأن الماء بمخالطة الأرض يحتمل زبدا رابيا لا [ ص: 256 ] ينفع، كذلك العلم الذي نزل على القلوب يحتمل من الشهوات والشبهات بسبب مخالطته الأنفس ما يكون كالزبد الذي لا ينفع. وبين أن الزبد الذي يذهب جفاء فيخفى، وما ينفع الناس يمكث في الأرض، كذلك العلم في القلوب ما ينفع الناس.

وقال تعالى: كذلك يضرب الله الأمثال ، فأخبر أن هذا مثل مضروب. وقال تعالى: وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا . وقال تعالى: وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه .

فبين أنه يلهم المؤمنين الإيمان وما ينفعهم، وذلك إيحاء إليهم وإن لم يكونوا أنبياء.

. وفي الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر".

وفي المسند والترمذي حديث النواس بن سمعان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط [ ص: 257 ] سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى رأس الصراط داع يدعو، يقول: يا أيها الناس! ادخلوا الصراط جميعا ولا تخرجوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أحد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه، [فإنك إن تفتحه] تلجه ". وفي رواية : "فلا يقع أحد في حدود الله حتى يكشف الستر". قال: والصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله تعالى، والأبواب المفتحة: محارم الله، والداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي في جوف الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم".

فبين أن في قلب كل مؤمن واعظا يعظه، والوعظ هو الأمر والنهي، ترغيب وترهيب، قال تعالى: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به [أي يؤمرون به] لكان خيرا لهم . وقال تعالى: يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين أي ينهاهم، وذلك يسمى إلهاما ووحيا.

وأخبر أنه أنزل الكتاب والميزان، وقد قال كثير من السلف: [ ص: 258 ]

الميزان: العدل، وقال بعضهم: الميزان اسم لما يوزن به، والمقصود به العدل، كما قال تعالى: وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط . فأخبر أن المقصود بإنزال ذلك أن يقوم الناس بالقسط. فدل ذلك على أنه أنزل في القلوب من الميزان ما يعلم [به] القسط. ومن ذلك: الاعتبار، وهو اعتبار الشيء بنظيره، كما قال ابن عباس رضي الله عنه في دية الأصابع: هلا اعتبرتموها بدية الأسنان؟ يعني إذا كانت ديتها واحدة مع اختلاف منافعها، فكذلك الأصابع ديتها واحدة مع اختلاف منافعها، كما أن النفوس مختلفة الفضائل مع أن ديتها واحدة، إذ كان جعل الديات المقررة بالشرع مختلفة باختلاف التلف أمرا لا يقدر البشر على معرفته وضبطه، وما عجزوا عن العلم به سقط عنهم الأمر به، كما يسقط فيما يعجزون عن العمل به. [ ص: 259 ]

ولهذا قال تعالى: وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها . فبين أنه لا يكلف النفوس إلا وسعها، لا يكلفها من القسط الذي أمروا به ما يعجزون عن معرفته، ولهذا يقال: هذا أمثل من هذا وأشبه، أي أقرب إلى العدل الثابت في نفس الأمر، الذي لا يمكن العباد معرفته، وإنما كلفوا من ذلك ما يطيقونه، وهو الأقرب إليه. ولهذا يقال لمثل هذه الطريقة: المثلى، ثم كل قوم يسمون ما يرونه أقرب إلى العدل: الطريقة المثلى، ويقولون: هذا أمثل، كما قاله فرعون: ويذهبا بطريقتكم المثلى .

ولهذا كان ضمان النفوس والأموال مبناه على العدل، كما قال: وجزاء سيئة سيئة مثلها ، وقال وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ، وقال: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث