الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة إحدى عشرة وأربعمائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 582 ] ثم دخلت سنة إحدى عشرة وأربعمائة

فيها عدم الحاكم العبيدي صاحب مصر ، وذلك أنه لما كان ليلة الثلاثاء لليلتين بقيتا من شوال فقد الحاكم بن العزيز بن المعز الفاطمي صاحب مصر ، فاستبشر المؤمنون والمسلمون بذلك ; وذلك لأنه كان جبارا عنيدا ، وشيطانا مريدا ، ولنذكر شيئا من صفاته القبيحة ، وسيرته الملعونة :

كان قبحه الله كثير التلون في أفعاله وأقواله ، جائرا في كيفية بلوغه ما يأمله من ضميره الملعون ; لأنه كان يروم أن يدعي الألوهية كما ادعاها فرعون في زمان موسى ، عليه السلام .

وكان قد أمر الرعية إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوم الناس على أقدامهم صفوفا ; إعظاما لذكره واحتراما لاسمه ، فكان يفعل هذا في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين ، وكان أهل مصر على الخصوص إذا قاموا خروا سجودا ، حتى إنه ليسجد بسجودهم من في الأسواق من الرعاع وغيرهم .

[ ص: 583 ] وأمر في وقت أهل الكتابين بالدخول في دين الإسلام كرها ، ثم أذن لهم في العود إلى أديانهم ، وخرب الكنائس ، ثم عمرها ، وخرب قمامة ، ثم أعادها ، وابتنى المدارس وجعل فيها الفقهاء والمشايخ ، ثم قتلهم وخربها .

وألزم الناس بإغلاق الأسواق نهارا ، وفتحها ليلا ، فامتثلوا ذلك دهرا طويلا ، حتى اجتاز مرة بشيخ يعمل النجارة في أثناء النهار ، فوقف عليه فقال : ألم ننهكم عن هذا ؟ فقال : يا سيدي ، أما كان الناس يسهرون لما كانوا يتعيشون بالنهار ، فهذا من جملة السهر ، فتبسم وتركه . وأعاد الناس إلى أمرهم الأول ، وكل هذا تغيير للرسوم ، واختبار لطاعة العامة ، ليرقى في ذلك إلى ما هو أطم من ذلك ، لعنه الله .

وقد كان يعمل الحسبة بنفسه ، يدور في الأسواق على حمار له ، وكان لا يركب إلا حمارا ، فمن وجده قد غش في معيشته أمر عبدا أسود معه ، يقال له : مسعود ، أن يفعل به الفاحشة العظمى جهارا ، وهذا أمر منكر ملعون ، لم يسبق إليه .

وكان قد منع النساء من الخروج من منازلهن ، وقطع الأعناب حتى لا يتخذ الناس خمرا ، ومنعهم من طبخ الملوخية ، وأشياء من الرعونات التي لا تنضبط ولا تنحصر .

وكانت العامة موتورين منه يبغضونه كثيرا ، ويكتبون له الأوراق التي فيها الشتيمة البليغة له ولأسلافه وحريمه في صورة قصص ، فإذا قرأها ازداد حنقا عليهم ، حتى إن أهل مصر عملوا صورة امرأة من ورق بخفيها وإزارها ، وفي يدها قصة فيها من الشتم واللعن والمخالفة له شيء كثير ، فلما رآها ظنها امرأة ، فذهب من ناحيتها ، وأخذ القصة من يدها ، فقرأها فرأى ما فيها ، فأغضبه ذلك ، فأمر بقتل تلك المرأة ، فلما تحققها من ورق [ ص: 584 ] ازداد أيضا غضبا على غضبه ، ثم لما وصل إلى القاهرة أمر العبيد من السودان أن يذهبوا إلى مصر فيحرقوها وينهبوا ما فيها من الأموال والحريم ، فذهبت العبيد فامتثلوا ما أمرهم به ، فقاتلهم أهل مصر قتالا عظيما ثلاثة أيام ، والنار تعمل في الدور والحريم في كل يوم ، يخرج هو بنفسه - قبحه الله - فيقف من بعيد ويبكي ، ويقول : من أمر هؤلاء العبيد بهذا ؟ ثم اجتمع الناس في الجوامع ، ورفعوا المصاحف ، وجأروا إلى الله عز وجل ، واستغاثوا به ، فرق لهم الترك والمشارقة ، وانحازوا إليهم ، فقاتلوا معهم عن حريمهم ودورهم ، وتفاقم الحال جدا ، ثم ركب الحاكم - لعنه الله - يفصل بين الفريقين ، وكف العبيد عنهم ، وقد كان يظهر التنصل من القصة ، وأن العبيد ارتكبوا ذلك من غير علمه وإذنه ، وكان ينفذ لهم السلاح ويحثهم على ذلك في الباطن ، لعنه الله تعالى ، فما انجلى الحال حتى أحرق من مصر نحو من ثلثها ، ونهب قريب من نصفها ، وسبيت حريم خلق كثير ، ففعل بهن الفواحش والمنكرات ، حتى إن منهن من قتلت نفسها خوفا من العار والفضيحة ، واشترى الرجال منهم من سبي لهم من النساء والحريم من أيدي العبيد .

قال ابن الجوزي : ثم زاد ظلم الحاكم ، وعن له أن يدعي الربوبية ، فصار قوم من الجهال إذا رأوه يقولون : يا واحد يا أحد ، يا محيي يا مميت .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث