الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآية السادسة عشرة قوله تعالى وجاهدوا في الله حق جهاده

الآية السادسة عشرة

قوله تعالى : { وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير } .

فيها أربع مسائل :

المسألة الأولى :

الحرج هو الضيق ، ومنه الحرجة ، وهي الشجرات الملتفة لا تسلك ; لالتفاف شجراتها ، وكذلك وقع التفسير فيه من الصحابة رضي الله عنهم .

روي أن عبيد بن عمير جاء في ناس من قومه إلى ابن عباس ، فسأله عن الحرج ، فقال : أو لستم العرب ؟ فسألوه ثلاثا . كل ذلك يقول : أو لستم العرب ، ثم قال : ادع لي رجلا من هذيل ، فقال له : ما الحرج فيكم ؟ قال : الحرجة من الشجرة : ما ليس له مخرج .

وقال ابن عباس : ذلك الحرج ، ولا مخرج له . [ ص: 309 ]

المسألة الثانية : في محل النفي :

وقد روي عن عثمان بن يسار عن ابن عباس في قوله تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } قال : هذا في تقديم الأهلة وتأخيرها بالفطر ، والأضحى ، وفي الصوم .

وثبت صحيحا عن ابن عباس قال : تقول : ما جعل عليكم في الدين من حرج ، إنما ذلك سعة الإسلام : ما جعل الله فيه من التوبة والكفارات .

وقال عكرمة : أحل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وما ملكت يمينك .

قال القاضي : قال النبي صلى الله عليه وسلم : { بعثت بالحنيفية السمحة . وقد كانت الشدائد والعزائم في الأمم ، فأعطى الله هذه الأمة من المسامحة واللين ما لم يعط أحدا قبلها في حرمة نبيها ، ورحمة نبيها صلى الله عليه وسلم لها } .

فأعظم حرج رفع المؤاخذة بما نبدي في أنفسنا ونخفيه ، وما يقترن به من إصر وضع ، كما بينا من قبل في سورة الأعراف وغيرها .

ومنها التوبة بالندم ، والعزم على ترك العود في المستقبل ، والاستغفار بالقلب واللسان . وقيل لمن قبلنا : { فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم } ، ولو ذهبت إلى تعديد نعم الله في رفع الحرج لطال المرام .

ومن جملته أنه لا يؤاخذنا تعالى إن نسينا أو أخطأنا . وقد بيناه أيضا فيما قبل ذلك .

وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمرو وغيره { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع ، فجعلوا يسألونه ، فقال رجل : لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح . قال : اذبح ، ولا حرج . فجاء آخر ، فقال : لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي فقال : ارم [ ص: 310 ] ولا حرج . فما سئل يومه عن شيء قدم ولا أخر إلا قال : افعل ولا حرج } .

فأعجب لمن يقول : إن الدم على من قدم الحلق على النحر ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال : ولا حرج ، ولقد نزلت بي هذه النازلة سنة تسع وثمانين ، كان معي ما استيسر من الهدي ، فلما رميت جمرة العقبة ، وانصرفت إلى النحر جاء المزين وحضر الهدي ، فقال أصحابي : ننحر ونحلق ، فحلقت ، ولم أشعر قبل النحر ، وما تذكرت إلا وجل شعري قد ذهب بالموسى ، فقلت : دم على دم ، لا يلزم ، ورأيت بعد ذلك الاحتياط لارتفاع الخلاف . والحق هو الأول ، فهو المعقول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث