الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الشرط الثاني ذهاب العين بالانتفاع

جزء التالي صفحة
السابق

الثاني : أن يكون على بر ، كالمساكين والمساجد والقناطر والأقارب ، مسلمين كانوا أو من أهل الذمة ، ولا يصح على الكنائس ، وبيوت النار ، وكتابة التوراة ، والإنجيل ، ولا على حربي ولا مرتد ، ولا يصح على نفسه في إحدى الروايتين ، وإن وقف على غيره واستثنى الأكل منه مدة حياته صح .

التالي السابق


والثاني : ذهاب العين بالانتفاع ، والوقف يستدعي بقاء أصل ينتفع به على ممر الزمان ، ولكن قد يقال : مادة الحصول من غير تأثير بالانتفاع تنزل منزلة بقاء العين مع الانتفاع ، وتأتي تتمة ذلك ( ويصح وقف المشاع ) في قول أكثر الفقهاء ؛ لما روى ابن عمر أن عمر قال : إن المائة سهم التي بخيبر لم أصب مالا قط [ ص: 317 ] أعجب إلي منها ، فأردت أن أتصدق بها ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " احبس أصلها وسبل ثمرتها " . رواه النسائي وابن ماجه ، ولأنه عقد يجوز على بعض الجملة مفرزا ، فجاز عليه مشاعا كالبيع ، ويعتبر أن يقول كذا سهما من كذا سهم ، قاله أحمد ، قال في " الفروع " : ثم يتوجه أن المشاع لو وقف مسجدا أثبت حكم المسجد في الحال ، فيمنع منه الجنب ، ثم القسمة متعينة هنا كتعيينها طريقا للانتفاع بالموقوف ، وفي " الرعاية الكبرى " لو وقف نصف عبده صح ولم يسر إلى بقيته وإن كان لغيره ، فإن أعتق ما وقفه منه أو أعتقه الموقوف عليه لم يصح ولم يسر ، وإن أعتق الواقف بقيته ، وإن كان لغيره ، فإن أعتق ما وقفه منه ، أو أعتقه الموقوف عليه لم يصح ، ولم يسر ، وإن أعتق الواقف بقيته أو أعتقه شريكه فيه عتق بقيته ، ولم يسر إلى الموقوف ، وإن علق عتقه بصفة ثم وقفه قبلها صح وقفه .

( ويصح وقف الحلي على اللبس والعارية ) ؛ لما روى نافع أن حفصة ابتاعت حليا بعشرين ألفا حبسته على نساء آل الخطاب فكانت لا تخرج زكاته ، رواه الخلال ؛ ولوجود الضابط ؛ ولأن فيه نفعا مباحا مقصودا ، فجاز أخذ الأجرة عليه ، وصح وقفه كوقف السلاح في سبيل الله ( وعنه : لا يصح ) ، نقلها الأثرم ، وحنبل ، قال في " المغني " و " الشرح " : وأنكر حديث حفصة ; لأن التحلي ليس هو المقصود الأصلي من الأثمان ، فلم يصح وقفها كالدنانير ، ورد بأن المفسد فيها عدم الانتفاع بعينها ، وهذا في الحلي معدوم ، قال في " التلخيص " : وهو محمول على رواية منع وقف المنقول ، وذكر القاضي في " تعليقه " رواية الأثرم وحنبل ، ولفظها : [ ص: 318 ] لا أعرف الوقف في المال ، فإن لم يكن في الرواية غير هذا ففي أخذ المنع منه نظر ، قاله الزركشي .

( ولا يصح الوقف في الذمة كعبد ودار ) ؛ لأنه نقل ملك على وجه القربة ، فلم يصح في غير معين كالهبة ( ولا ) وقف ( غير معين كأحد هذين ) العبدين ؛ لما ذكرنا ، وفيه احتمال في العتق ، فيخرج المبهم منهما بالقرعة ، ( ولا وقف ما لا يجوز بيعه كأم الولد ) ؛ لأنه نقل للملك فيها في الحياة ، فلم يجز كالبيع ، وفيه وجه ، وقيده ابن حمدان إن صح بيعها ( والكلب ) ؛ لأن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة ، والكلب أبيح الانتفاع به على خلاف الأصل ؛ للضرورة ، فلم يجز التوسع فيها ، وكذا لا يصح وقف الحمل منفردا ( ولا ) يصح وقف ( ما لا ينتفع به مع بقائه دائما ، كالأثمان ) وهي الدنانير والدراهم ، ( والمطعوم ، والرياحين ) في قول عامة العلماء ; لأن ما لا ينتفع به إلا بالإتلاف لا يصح وقفه كالشمع ليشعله ، وقيل : يصح في الأثمان بناء على إجارتها ، ورد ؛ لأن تلك المنفعة ليست المقصودة التي خلقت له الأثمان ، فلم يجز الوقف له كوقف الشجر على نشر الثياب ، ويستثنى منه لو وقف فرسا بسرج ولجام مفضضين ، فإنه يصح ويدخل تبعا ، نص عليه ، أما لو وقفهما للتحلي والوزن ، فاختار صاحب " التلخيص " الصحة كإجارتها لذلك ، واختار المؤلف وجمع ضدها ; لأن ذلك ليس من المرافق العامة ، فإن أطلق بطل ، وقيل : يصح ويحمل عليهما .

مسألة : لا يصح وقف قنديل نقد على مسجد ، ويزكيه ربه ، وقيل : يصح فيكسر ، ويصرف لمصلحته ، وقال ابن المنجا : تمثيله بالمطعوم والرياحين فيه نظر [ ص: 319 ] من جهة أنهما لا يبقيان ، فيحذفان ، ويقتصر على التمثيل بالأثمان ، أو يبقيان مع حذف " مع بقائه " فإنه يصح أن يقال : إنهما لا ينتفع بهما دائما ; لأن نفعهما يحصل في بعض الزمن ، وعلم منه أن وقف ما لا منفعة فيه كالعين المؤجرة لا يصح ؛ لعدم وجود المعنى ، نعم إن وقفها مدة الإجارة إذا انقضت صح إن قيل : يصح تعليق الوقف على شرط . ( الثاني أن يكون على بر ) ومعروف إذا كان الوقف على جهة عامة ; لأن المقصود منه التقرب إلى الله تعالى ، وإذا لم يكن على بر لم يحصل المقصود ( كالمساكين والمساجد ) ، فإذا قال : جعلت ملكي للمسجد - صار حقا من حقوقه ، ولا يعتبر قبول ناظره ؛ لتعذره بالقبول كحالة وقف المسجد ، فإنه لا يشترط قبوله ; لأن الناظر لا يكون إلا بعد الوقف ( والقناطر ) والسقايات ، والمقابر ، وكتب العلم ( والأقارب مسلمين كانوا أو من أهل الذمة ) ، نص عليه ; لأن القريب الذمي موضع القربة ؛ بدليل جواز الصدقة عليه ، ويصح الوقف على أهل الذمة ، جزم به الأكثر ; لأن صفية وقفت على أخ لها يهودي ، ولأنهم يملكون ملكا محترما ، ولأن من جاز أن يقف عليه الذمي جاز أن يقف المسلم عليه كالمسلم ، وصحح الحلواني على فقرائهم ، وصححه في " الواضح " من ذمي عليهم وعلى بيعة وكنيسة ، ومقتضى كلام صاحب " التلخيص " و " المحرر " أنه لا يصح الوقف عليهم ; لأن الجهة معصية بخلاف أقاربه ، وإن وقف ذمي على ذمي شيئا وشرط أنه يستحقه ما دام ذميا فأسلم - فله أخذه أيضا ; لأن الواقف عينه له ، ويلغو شرطه ، ورده في " الفنون " ، وقيل : يشترط أن لا يكون معصية ، فيصح في المباح كالوقف على الأغنياء ، وقيل : ومكروه .

[ ص: 320 ] فائدة : يصح الوقف على الصوفية ، وهم المشتغلون بالعبادات في غالب الأوقات ، المعرضون عن الدنيا ، قال الشيخ تقي الدين : فمن كان منهم جماعا للمال ، أو لم يتخلق بالأخلاق المحمودة ، ولا تأدب بالآداب الشرعية غالبا ، أو فاسقا - لم يستحق ، ولم يعتبر الحارثي الفقر ، قال في " الفروع " : ويتوجه احتمال لا يصح عليهم ؛ ولهذا قال الإمام : ما رأيت صوفيا إلا سلما الخواص ، قاله أبو محمد الجويني ، إذ ليس له حد يعرف به .

( ولا يصح على الكنائس وبيوت النار ) والبيع ; لأن ذلك معصية ؛ لكون أن هذه المواضع بيت للكفر ، والمسلم والذمي سواء ، قال أحمد في نصارى وقفوا على البيعة ضياعا وماتوا ولهم أبناء نصارى فأسلموا ، والضياع بيد النصارى ، فلهم أخذها وللمسلمين عونهم حتى يستخرجوها من أيديهم ، وحكم الوقف على قناديل البيعة ومن يخدمها ويعمرها كالوقف عليها ، قاله في " المغني " و " الشرح " ، وإن قال : أنت حر بشرط أن تخدم الكنيسة سنة بعد موتي ، وهما نصرانيان ، فأسلم العبد قبل تمامها - عتق في الحال ، وعنه : تلزمه القيمة لبقية الخدمة ، وعنه : لا ، وهي أصح وأوفق لأصوله ( وكتابة التوراة والإنجيل ) للإعانة على المعصية ، فإنها منسوخة ، وقد بدل بعضها ، غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - حين رأى مع عمر شيئا استكتبه منها ، وقال : أفي شك أنت يا ابن الخطاب ! ألم آت بها بيضاء نقية ؛ ، ولو كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي . وكتب الزندقة من باب أولى ، ( ولا على حربي ولا مرتد ) ؛ لأن أموالهما مباحة في الأصل ، تجوز إزالتها فيما يتجدد [ ص: 321 ] لهم أولى ، ولانتفاء الدوام لأنهما مقتولان عن قرب .

تنبيه : لا يصح الوقف على قطاع الطريق ، ولا على المغاني ، ولا التنوير على قبر وتبخيره ، ولا على من يقيم عنده ، أو يخدمه ، ولا وقف ستور لغير الكعبة ، وصححه ابن الزاغوني ، فيصرف لمصلحته ، ذكره ابن الصيرفي ( ولا يصح على نفسه في إحدى الروايتين ) ، قال في رواية أبي طالب : لا أعرف الوقف إلا ما أخرجه لله تعالى ، أو في سبيله ، فإن وقفه عليه حتى يموت فلا أعرفه ، فعليها يكون باطلا ، وجزم به الأكثر ، وقدمه في " الفروع " ; لأن الوقف تمليك إما للرقبة أو للمنفعة ، وكلاهما لا يصح ; لأن الإنسان لا يجوز له أن يملك نفسه من نفسه ، كما لا يجوز أن يبيع ماله من نفسه ، والأصح أنه يصرف لمن بعده في الحال ، والثانية : يصح ، ذكره في " المذهب " ظاهر المذهب ، واختاره ابن أبي موسى ، وابن عقيل ، وأبو المعالي ، والشيخ تقي الدين ; لأنه يصح أن يقف وقفا فينتفع به ، كذلك إذا خص نفسه بانتفاعه ، وكشرط غلته له ، ومتى حكم به حاكم حيث يجوز له الحكم ، وظاهر كلامهم ينفذ حكمه ظاهرا ; لأنها مسألة اجتهادية ، وهل ينفذ باطنا ؛ فيه خلاف .

( وإن وقف على غيره واستثنى ) كل الغلة أو بعضها له أو لولده ( الأكل منه مدة حياته ) أو مدة معلومة ( صح ) الوقف والشرط ، نص عليه ، واحتج بأنه قال : سمعت ابن عيينة ، عن ابن طاوس ، عن أبيه عن حجر المدري أن في صدقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأكل أهله منها بالمعروف . وشرط عمر أكل الوالي عليها ، وكان هو الوالي عليها ، وفعله جماعة من الصحابة ، وقيل : [ ص: 322 ] لا يصح الوقف ; لأنه إزالة ملك ، فلم يجز اشتراط نفعه لنفسه ، كالبيع ، وقيل : لا يصح شرطه ، فإن صح فمات في أثناء المدة كان لورثته ، ويصح إجارتها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث