الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


978 934 - وذكر مالك في هذا الباب عن زيد بن أسلم ؛ قال : كتب أبو عبيدة بن الجراح ، إلى عمر بن الخطاب ، يذكر له جموعا من الروم ، وما يتخوف منهم ، فكتب إليه عمر بن الخطاب : أما بعد ، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة ، يجعل الله بعده فرجا ، وإنه لن يغلب عسر يسرين ، وأن الله تعالى يقول في كتابه ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون [ آل عمران : 200 ]

[ ص: 44 ]

التالي السابق


[ ص: 44 ] 19349 - قال أبو عمر : قد روي هذا الخبر متصلا عن عمر بأكمل من هذه الرواية .

19350 - حدثنا أحمد ، قال : حدثنا أبي قال : حدثنا عبد الله بن يونس قال : حدثنا بقي ، قال : حدثنا أبو بكر ، قال : حدثنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم عن أبيه ، قال : جاء أبو عبيدة الشام حضر هو وأصحابه ، فأصابهم جهد شديد ، فكتب بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر : سلام عليك ، أما بعد فإنها لم تكن شدة إلا جعل الله بعدها مخرجا ، ولن يغلب عسر يسرين ، وكتب إليه ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون [ آل عمران : 200 ] ، فكتب إليه أبو عبيدة : سلام عليك أما بعد ، فإن الله - عز وجل - يقول : أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد . . . إلى قوله متاع الغرور [ الحديد : 20 ] فقرأه عمر على الناس وقال : يا أهل المدينة : إنما كتب أبو عبيدة يعرض لكم ، ويحض الناس على الجهاد .

وقال زيد : قال إني لقائم في السوق إذا أقبل قوم ينصون قد اطلعوا من التيه ، فيهم حذيفة بن اليمان يبشرون الناس ، قال : فخرجت نشتد حتى دخلت على عمر ، فقلت : يا أمير المؤمنين ! أبشر بنصر الله والفتح ، فقال عمر : الله أكبر رب قائل لو كان خالد بن الوليد !

19351 - قال أبو عمر : في هذا الخبر : ما كانوا عليه من المشورة في أمورهم وقد أتى الله على من كان أمرهم شورى بينهم . وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشاور [ ص: 45 ] أصحابه في الحروب ؛ ليقتدى به .

19352 - وفيه أن الرئيس حق عليه الحذر على جيشه ، و ألا يقدمهم على الهلكة ؛ ولذلك أوصى بعض السلف من الأمراء أمير الجيش ، فقال له : كن كالتاجر الكيس الذي لا يطلب ربحا إلا بعد إحراز رأس ماله .

19353 - فهذا معنى كتاب أبي عبيدة ، والله أعلم .

19354 - وأما جواب عمر ، فجواب مؤمن موقن بما وعد الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - من ظهور دينه على الدين كله . وأنه ستفتح عليه ديار كسرى وقيصر ، ولذلك أمره بالصبر وانتظار الفرج .

19355 - وهو أمر له بالبقاء ؛ لأنه أدرب ، وصار في بلادهم ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا تمنوا لقاء العدو ، وإذا لقيتموهم فاثبتوا " ويروى فاصبروا .

19356 - حدثني عبد الوارث بن سليمان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا عبيد بن عبد الواحد ، وحدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى ، قال : أخبرنا أبو إسحاق الفزاري ، عن موسى بن عقبة عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله وكاتبه ، قال : كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى حين خرج إلى الحرورية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قال : " يا أيها الذين آمنوا لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية ، [ ص: 46 ] فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف .

19357 - ورواه ابن أبي الزناد ، عن موسى بن عقبة بإسناده ، قال فيه : فإذا لقيتموهم فاثبتوا ، فإن جلبوا وصاحوا فعليكم بالصمت .

19358 - أخبرنا سعيد بن يعيش وعبد الوارث ، قالا : حدثنا قاسم : قال : حدثنا محمد بن غالب ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، عن عبد الله بن يزيد ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال " لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية ، وإذا لقيتموهم فاثبتوا " .

19358 - وحدثنا عبد الوارث ويعيش قالا : حدثنا قاسم ، قال : وحدثنا محمد بن غالب ، قال : حدثنا عفان قال : حدثنا جعفر بن سليمان ، عن أبي عمران الجوني عن أبي بكر بن أبي موسى ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " لا تمنوا لقاء العدو ، سلوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاثبتوا واعلموا أن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف . "

19359 وأما أبو عبيدة فولاه عمر بن الخطاب قيادة الجيوش بالشام في أول ولايته ، وعزل خالد بن الوليد عنه ، وذلك سنة أربع عشرة ، وكانت اليرموك سنة خمس عشرة ، فاجتمعت الروم في جمع ولم تجتمع في مثلها قبل ولا بعد .

[ ص: 47 ] قال ابن إسحاق : في مائة ألف .

وقال ابن الكلبي : في ثلاثمائة ألف ، وعليهم ماهانو - رجل " من البابا ومن كان تنصر ولحق بالروم ، وكانت الوقعة في رجب ، فنصر الله المسلمين وأظهرهم ، وحضرت أسماء بنت أبي بكر مع زوجها الزبير ، فحدثت قالت : إن كان الرجل من العدو يمر ليسعى ، فتصيب قدماه عروة أطناب خبائي ، فيسقط على وجهه ميتا ما أصاب السلاح .

19360 - وروى محمد بن أبي الحسن ، عن إسحاق بن زائدة ، عن أبي واقد الليثي قال : رأيت الرجل يوم اليرموك من العدو فيسقط فيموت ، فقلت في نفسي لو أني أضرب أحدهم بطرف ردائي ظننت أنه يموت ، وجعل الله للمسلمين من الغم الشديد الذي كان نزل بهم فرجا ومخرجا كما قال عمر - رضي الله عنه .

19361 - وأما قوله : لن يغلب عسر يسرين ، فإنه أراد معنى قول الله تعالى فإن مع العسر يسرا ، إن مع العسر يسرا [ 5 : 6 من سورة الشرح ] .

19362 - قال أبو عبيدة وغيره من أهل العلم باللغة : إن النكرة إذا ثنيت كانت اثنتين ، فقوله : يسرا ويسرا يسران ، والعسر والعسر عسر واحد ، كأنه جاء للتأكيد ؛ لأنه معرفة ، هكذا قالوا أو معناه .

19363 - قال أبو عمر : أحسن ما روي في قول الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " . [ آل عمران : 200 ] ما قاله محمد بن كعب القرظي .

[ ص: 48 ] 19364 - رواه ابن وهب قال : أخبرني أبو صخر المزني ، عن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقول في هذه الآية : ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون [ آل عمران : 200 ] قال : اصبروا على دينكم وصابروا الوعد الذي وعدتكم عليه ، ورابطوا عدوكم وعدوي حتى يترك دينه لدينكم ، واتقوا الله في ما بيني وبينكم ، لعلكم تفلحون إذا لقيتموني .

19365 - وأخبرنا أبو القاسم خلف بن قاسم بن سهل الحافظ قال : أخبرنا أبو إسحاق محمد بن قاسم بن شعبان الفقيه ، قال : حدثنا إبراهيم بن عثمان ، والحسين الضحاك ، واللفظ لإبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن إدريس الشافعي ، قال : حدثنا محمد بن عمر الواقدي ، عن هشام بن سعد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن أبي قبيل ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : كتب أبو بكر الصديق إلى عمرو بن العاص ( رضي الله عنهما ) : أما بعد ، فقد جاءني كتابك تذكر ما جمعت الروم من الجمع ، وأن الله تعالى لم ينصرنا مع نبينا - صلى الله عليه وسلم - بكثرة عدد ، ولا بكثرة خيل ولا سلاح ، ولقد كنا ببدر وما معنا إلا فرسان وإن نحن إلا نتعاقب الإبل ، وكنا يوم أحد ، وما معنا إلا فرس واحد ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركبه ، ولقد كان الله يظهرنا ويعيننا على من خالفنا ، فاعلم يا عمرو أن أطوع الناس لله تعالى أشدهم بغضا للمعصية ، وأن من خاف الله تعالى ردعه خوفه عن كل ما لله تعالى معصية ، فأطع الله تعالى ، وسم ومر أصحابك بطاعته ، فإن المغبون من حرم طاعة الله ، واحذر على أصحابك [ ص: 49 ] البيات ، وإذا نزلت منزلا ، فاستعمل على أصحابك أهل الجلد والقوة ؛ ليكونوا نعم الذين يحرضونهم ويحفظونهم ، وقدم أمامك الطائع حتى يأتوا بالخير ، وشاور أهل الرأي والتجربة ، ولا تستبد برأيك دونهم ، فإن في ذلك احتقارا للناس ومعصية لهم ، فقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحرب ، وإياك والاستهانة بأهل الفضل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد عرفنا وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأنصار عند موته حين قال : " أحسنوا إلى محسنهم ، وجاوزوا عن مسيئهم ، وقرب بهم منك ، وأدنهم واستشرهم ، أشركهم في أمرك ، ولا يغب عني خبرك كل يوم بما فيه إن قدرت على ذلك ، وأشبع الناس في بيوتهم ، ولا تشبعهم عندك ، وتعاير أهل الرعاية ، والأحداث بالعقوبة ، من غير تعد عليهم ، وليكن تقدمك إليهم في ما تنهى عنه قبل العقوبة تبرأ إلى أهل الذمة من معرتهم ، واعلم أنك مسئول عما أنت فيه ، فالله الله يا عمرو فيما أوصيك فيه - جعلني الله وإياك من رفقاء محمد - صلى الله عليه وسلم - في دار المقامة ، وقد كتبت إلى خالد بن الوليد يمدك بنفسه ومن معه ، فله مدد في الحرب ، وهو ممن يعرف الله تعالى ، فلا يخالف ، وشاوره ، والسلام عليك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث