الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بعض حروف الإدغام

[ ص: 49 ] فصل

في بعض حروف الإدغام

فمنه : عن ما نهوا عنه ( الأعراف : 166 ) ، فرد ظهر فيه النون وقطع عن الوصل ; لأن معنى " ما " عموم كلي تحته أنواع مفصلة في الوجود غير متساوية في حكم النهي عنها ، ومعنى " عن " المجاوزة للكلي ، والمجاوزة للكلي مجاوزة لكل واحد من جزئياته ، ففصل علامة لذلك .

وكذلك : " من ما " ثلاثة أحرف مفصولة لا غير .

في النساء : من ما ملكت أيمانكم ( الآية : 25 ) ، وفى الروم : هل لكم من ما ملكت أيمانكم ( الروم : 28 ) ، وفي المنافقين : وأنفقوا من ما رزقناكم ( الآية : 10 ) .

وحرف ما في هذه كلها مقسم في الوجود بأقسام منفصلة غير متساوية في الأحكام ، وهى بخلاف قوله : مما كتبت أيديهم ( البقرة : 79 ) فإنها وإن كان تحتها أقسام كثيرة فهي غير مختلفة في وصفها بكتب أيديهم ، فهو نوع واحد يقال على معنى واحد من تلك الجهة هو في إفراده بالسوية .

وكذلك " أم من " بالفصل ، أربعة أحرف لا غير ; في النساء : أم من يكون عليهم وكيلا ( الآية : 109 ) ، وفى التوبة : أم من أسس بنيانه ( الآية : 109 ) ، وفي الصافات : أم من خلقنا ( الصافات : 11 ) وفى السجدة أم من يأتي ( فصلت : 40 ) .

فهذه الأربعة الأحرف " من " فيها تقسم في الوجود بأنواع مختلفة في الأحكام بخلاف غيرها مثل : أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي ( الملك : 22 ) فهذا موصول لأنه من نوع واحد حيث يمشي على صراط مستقيم ، وكذا : أمن جعل الأرض قرارا ( النمل : 61 ) لا تفاصيل تحتها في الوجود .

وكذلك : ( عن من ) مفصول : حرفان في النور : عن من يشاء ( الآية : 43 ) ، وفي النجم : عن من تولى ( الآية : 29 ) : حرف " من " فيهما كلي ، وحرف " عن " للمجاوزة ، [ ص: 50 ] والمجاوزة عن الكلي مجاوزة لجميع جزئياته دون العكس ; فلا وصلة بين الجزأين في الوجود فلا يوصلان في الخط .

وكذلك " ممن " موصول كله ; لأن " من " بفتح الميم جزئي بالنسبة إلى " ما " ، فمعناه أزيد من جهة المفهوم ، ومعنى " ما " أزيد من جهة العموم ، والزائد من جهة المفهوم منفصل وجودا بالحصص ، والحصة منه لا تنفصل ، والزائد من جهة المفهوم لا ينفصل وجودا .

وكذلك : وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم في سورة الرعد ( الآية : 40 ) ، فردة مفصولة ظهر فيها حرف الشرط في الخط لوجهين : أحدهما : أن الجواب المرتب عليه بالفاء ظاهر في موطن الدنيا ، وهو " البلاغ " بخلاف قوله : فإما نرينك ( غافر : 77 ) ، فإنه أخفى فيه حرف الشرط في الخط ; لأن الجواب المرتب عليه بالفاء خفي عنا ، وهو الرجوع إلى الله ، والثاني : أن القصة الأولى منفصلة من الشرط وجوابه ، وانقسم الجواب إلى جزأين ; أحدهما : الترتيب بالفاء وهو البلاغ ، والثاني : المعطوف عليه ، وهو الحساب ; وأحدهما في الدنيا ، والآخر في الآخرة ; والأول ظاهر لنا ، والثاني خفي عنا .

وهذا الانقسام صحيح في الوجود فقد انقسمت هذه الشرطية إلى شرطين ، لانفصال جوابها إلى قسمين متغايرين ، ففصل حرف الشرط علامة لذلك ، وإذا انفصلت لزم كتبه على الوقف ، والشرطية الأخرى لا تنفصل ، بل هي واحدة لاتحاد جوابها ، فانفصال حرف الشرط علامة لذلك .

وكذلك : فإن لم يستجيبوا لك فرد في القصص ( الآية : 50 ) ثابت النون ، وفى هود : " " فإلم يستجيبوا لكم " " فرد بغير نون أظهر حرف الشرط في الأول ; لأن جوابه المترتب عليه بالفاء هو : فاعلم ( القصص : 50 ) متعلق بشيء ملكوتي ظاهر سفلي ، وهو اتباعهم أهواءهم وأخفي في الثاني ; لأن جوابه المترتب عليه بالفاء هو علم متعلق بشيء ملكوتي خفي علوي وهو إنزال القرآن بالعلم والتوحيد .

[ ص: 51 ] ومن ذلك : " أن لن " كله مفصول إلا حرفان : ألن نجعل لكم موعدا في الكهف ( الآية : 48 ) ، ألن نجمع عظامه في القيامة ( الآية : 3 ) ، سقطت النون منهما في الخط تنبيها على أن ما زعموا وحسبوا هو باطل في الوجود وحكم ما ليس بمعلوم نسبوه إلى الحي القيوم ، فأدغم حرف توكيدهم الكاذب في حرف النفي السالب هو بخلاف قوله زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا ( التغابن : 7 ) فهؤلاء لم ينسبوا ذلك لفاعل ; إذ ركب الفعل لما لم يسم فاعله ، وأقيموا فيه مقام الفاعل ، فعدم بعثهم تصوروه من أنفسهم ، وحكموا به عليها توهما ، فهو كاذب من حيث حكموا به على مستقبل الآخرة ، ولكونه حقا بالنسبة إلى دار الدنيا الظاهرة ثبت التوكيد ظاهرا ، وأدغم في حرف النفي من حيث الفعل المستقبل الذي هو فيه كاذب .

ومن ذلك كل ما في القرآن " أن لا " فهو موصول إلا عشرة مواضع فهي مفصولة تكتب النون فيها باتفاق ، وذلك حيث ظهر في الوجود صحة توكيد القضية ولزومها .

أولها في الأعراف : أن لا أقول على الله إلا الحق ( الآية : 105 ) و أن لا يقولوا على الله إلا الحق ( الآية : 169 ) و أن لا ملجأ من الله في التوبة ( الآية : 118 ) . أن لا إله إلا هو ( الآية : 14 ) و أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف ( الآية : 26 ) في هود .

و أن لا تشرك بي شيئا في الحج ( الآية : 26 ) و أن لا تعبدوا الشيطان في يس ( الآية : 60 ) و وأن لا تعلوا على الله في الدخان ( الآية : 19 ) .

و أن لا يشركن بالله شيئا في الممتحنة ( الآية : 12 ) و أن لا يدخلنها في القلم ( الآية : 24 ) .

وواحد فيه خلاف : أن لا إله إلا أنت في الأنبياء ( الآية : 87 ) .

فتأمل كيف صح في الوجود هذا التوكيد الأخير ، فلم يدخلها عليهم مسكين لكن على غير ما قصدوا وتخيلوا فيه .

[ ص: 52 ] وكذلك لام التعريف المدغمة في اللفظ في مثلها أو غيرها ، لما كانت للتعريف - وشأن المعرف أن يكون أبين وأظهر ، لا أخفى وأستر - أظهرت في الخط ، ووصلت بالكلمة ; لأنها صارت جزءا منها حيث هي معرفة بها ، هذا هو الأصل ، وقد حذف حيث يخفى معنى الكلمة مثل " اليل " فإنه بمعنى مظلم لا يوضح الأشياء ، بل يسترها ويخفيها ، وكونه واحدا إما للجزئي أو للجنس ، فأخفي حرف تعريفه في مثله ، فإن تعين للجزئي بالتأنيث رجع إلى الأصل ، ومثل الذي والتي وتثنيتهما وجمعهما ، فإنه مبهم في المعنى والكم ; لأن أول حده للجزئي وللجنس للثلاث أو غيرها ، ففيه ظلمة الجهل كالليل ومثل " الئي " في الإيجاب فإن لام التعريف دخلت على لا النافية ، وفيها ظلمة العدم كالليل ، ففي هذه الظلمات الثلاث يخفى حرف التعريف .

وكذلك " الأيكة " نقلت حركة همزتها على لام التعريف وسقطت همزة الوصل لتحريك اللام ، وحذفت ألف عضد الهمزة ووصل اللام ، فاجتمعت الكلمتان ، فصارت " ليكة " علامة على اختصار وتلخيص وجمع في المعنى ; وذلك في حرفين : أحدهما في الشعراء ( الآية : 176 ) جمع فيه قصتهم مختصرة وموجزة في غاية البيان ، وجعلها جملة ; فهي آخر قصة في السورة بدليل قوله : إن في ذلك لآية ( الشعراء : 190 ) فأفردها ، والثاني في ص ( الآية : 13 ) جمع الأمم فيها بألقابهم وجعلهم جهة واحدة ، هم آخر أمة فيها ، ووصف الجملة ، قال تعالى : أولئك الأحزاب ، وليس الأحزاب وصفا لكل منهم ، بل هو وصف جميعهم .

وجاء بالانفصال على الأصل حرفان نظير هذين الحرفين : أحدهما في الحجر : وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين ( الآية : 78 ) أفردهم بالذكر والوصف . والثاني في ق : وأصحاب الأيكة ( الآية : 14 ) ، جمعوا فيه مع غيرهم ، ثم حكم على كل منهم ، لا على [ ص: 53 ] الجملة ، قال تعالى : كل كذب الرسل ( الآية : 14 ) ، فحيث يعتبر فيهم التفضيل فصل لام التعريف ، وحيث يعتبر فيهم التوصيل وصل للتخفيف .

وكذلك : " " لتخذت عليه أجرا " " ( الكهف : 77 ) ، حذفت الألف ووصلت اللام ; لأن العمل في الجدار قد حصل في الوجود ، فلزم عليه الأجر ، واتصل به حكما ، بخلاف : لاتخذوك خليلا ( الإسراء : 73 ) ليس فيه وصلة اللزوم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث