الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        النوع الثالث : إبطال المنافع وهي لا تباشر بالتفويت ، وإنما تفوت تبعا لمحلها ، وقد ترد الجناية على غير محلها ، وتفوت هي بالسراية لارتباط بينها وبين محل الجناية ، فلو أوضح رأسه ، فذهب ضوء عينيه ، فالنص أنه يجب القصاص في الضوء كما يجب في الموضحة ، ونص فيما إذا قطع أصبعه فسرى إلى الكف ، أو إلى أصبع أخرى بتآكل أو شلل ، أنه لا يجب القصاص في محل السراية .

                                                                                                                                                                        فقيل : فيهما قولان ، والمذهب تقرير النصين ، والفرق أن الضوء ونحوه من اللطائف لا تباشر بالجناية ، وإنما تقصد بالجناية على محلها ، أو محل آخره ، وإذا أوجبنا القصاص في الضوء بالسراية ، فالذي صححه الإمام نقلا ومعنى أن السمع كالبصر .

                                                                                                                                                                        وحكى فيما إذا أبطل بطش عضو بالسراية تردد الأصحاب ، منهم من ألحقه بالضوء ، وبه قال صاحب " التقريب " ومنهم من رأى البطش عسر الإزالة ، كالأجسام ، وإليه ميل الشيخ أبي محمد ، وفي العقل أيضا تردد لبعده عن التناول بالسراية ، قال : ولا يبعد إلحاق الكلام بالبصر ، ورتبها فجعل البصر والسمع في درجة ، ويليهما الكلام ، ويليه البطش ، ويليه العقل .

                                                                                                                                                                        وذكر صاحب " المهذب " أنه لو جنى على رأسه ، فذهب عقله ، أو على أنفه ، فذهب شمه ، أو على أذنه ، فذهب سمعه ، فلا قصاص في العقل والشم والسمع ، والأقرب منع القصاص في العقل ، ووجوبه في الشم والبطش والذوق ، لأن لها محال مضبوطة .

                                                                                                                                                                        ولأهل الخبرة طرق في إبطالها ، وإذا ذهب الضوء بالموضحة ، واقتصصنا في الموضحة ، فلم يذهب ضوء الجاني ، أذهب بأخف ما يمكن ، كتقريب حديدة محماة من عينيه ، أو طرح كافور فيها ونحوهما ، وإن ذهب ضوء الجاني ، حصل القصاص [ ص: 187 ] وفيه شيء يأتي إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                                                        ولو هشم رأسه ، فذهب ضوؤه ، عولج بما يزيل الضوء ولا يقابل الهشم بالهشم ، ولو لطمه ، فذهب ضوؤه واللطمة بحيث تذهب الضوء غالبا ، فالمنقول عن نصه في " الأم " أنه يلطم مثل لطمته ، فإن ذهب الضوء فعلى ما ذكرنا في الموضحة ، وإلا أزيل بالمعالجة ، وإن ابيضت الحدقة ، أو شخصت ، فعل به ما يفضي إليه إن أمكن ، ونسب صاحب " المهذب " هذا المنقول عن النص إلى بعض الأصحاب ، ثم قال : ويحتمل أن لا يقتص في اللطمة كما لا يقتص بالهاشمة ، لأنه لا قصاص في اللطمة لو انفردت ، وهذا حسن ، وجعله صاحب " التهذيب " وجها ، وقال : هو الأصح .

                                                                                                                                                                        فرع .

                                                                                                                                                                        إذا قلنا : لا يجب القصاص في الأجسام بالسراية ، فقطع أصبعه ، فسرى القطع إلى الكف وسقطت ، فلا يجب القصاص إلا في تلك الأصبع ، وإذا اقتص في الأصبع ، فسرى إلى الكف فالنص أن السراية لا تقع قصاصا ، بل يجب على الجاني دية باقي اليد .

                                                                                                                                                                        ونص فيما إذا أوضحه فذهب ضوؤه وشعر رأسه ، فاقتص في الموضحة ، فذهب ضوء الجاني وشعر رأسه أيضا ، أنه يكون مستوفيا حقه ، ولو لم يذهب ضوء الجاني ، ونبت شعره ، فعليه دية البصر وحكومة الشعر .

                                                                                                                                                                        وفي هذا النص إيقاع الشعر مقابلا للشعر وهو من الأجسام ، فاقتضى وقوع السراية في الأجسام قصاصا ، فقيل : قولان في أن السراية في الضوء والكف هل تقع قصاصا ؟ وقيل : في الكف قولان ، ويقع الضوء قطعا ، والمذهب أن السراية لا تقع قصاصا في الكف ولا في الشعر .

                                                                                                                                                                        ولو عفا المجني عليه عن قصاص الأصبع ، فله دية اليد ، وإن اقتص ، فلم يسر القطع إلى غير تلك الأصبع ، أو سرى وقلنا : لا يقع قصاصا ، فله أربعة أخماس دية الكف للأصابع الأربع ، ولا تجب لمنابتها من الكف حكومة ، بل [ ص: 188 ] تدخل في ديتها ، وفي دخول حكومة خمس الكف في قصاص الأصبع ، وجهان سيعودان إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                                                        وما يجب من الدية يجب مغلظا في مال الجاني ، لأنه وجب بجناية عمد موجبة للقود ، وقيل : على العاقلة ، والصحيح الأول ، وله المطالبة به عقب قطع الأصبع .

                                                                                                                                                                        وفي صورة الموضحة المذهبة للبصر ، لو أوضحه ، فلم يذهب ضوؤه في الحال ، لا يطالب بالدية ، بل ينتظر ، فلعله يسري إلى البصر فيحصل الاقتصاص ، وكذا في النفس ، لو قطع أصبعه فسرى إلى نفسه ، فقطع الولي أصبع الجاني ، ينتظر السراية ولا يطالب بالدية في الحال .

                                                                                                                                                                        فرع .

                                                                                                                                                                        له تعلق بالسراية . لو قتل مستحق القصاص الجاني خطأ ، أو ضربه بسوط خفيف ، فهل يصير مستوفيا ؟ فيه خلاف ، ومثله : لو وثب الصبي ، أو المجنون على قاتل مورثه فقتله ، هل يصير مستوفيا ؟ وجهان ، أصحهما : لا .

                                                                                                                                                                        فعلى هذا ينتقل حقه إلى الدية ، وتجب الدية بقتل الجاني ، وهل تكون عليه أم على عاقلته ؟ يبنى على الخلاف في أن عمدهما عمد أم خطأ ، ويجري فيما إذا ثبت قصاص لصبي أو مجنون ، فوثب على القاطع فقطع طرفه ، هل يكون مستوفيا لحقه ؟ ثم موضع الخلاف إذا لم يكن من الجاني تمكين ، فأما إذا أخرج يده إلى الصبي أو المجنون فقطعه ، فلا يكون مستوفيا لحقه بلا خلاف ، ويكون قطعه هدرا .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية