الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل أيهم يقدم في الإمامة

ولذلك نقل عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يتدافعون الإمامة والصحيح أن الإمامة أفضل إذ واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما والأئمة بعدهم .

نعم فيها خطر الضمان ، والفضيلة مع الخطر كما أن رتبة الإمارة ، أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم : " ليوم من سلطان عادل أفضل من عبادة سبعين سنة ولكن فيها خطر ولذلك وجب تقديم الأفضل ، والأفقه .

التالي السابق


(وكذلك نقل عن الصحابة - رضوان الله عليهم - أنهم كانوا يتدافعون الإمامة) ، كما تقدمت الإشارة إليه (والصحيح أن الإمامة أفضل) ، وكذلك عندنا (إذ واظب عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم) ، والخليفتان من بعده (أبو بكر

[ ص: 174 ] وعمر ) - رضي الله عنهما - (والأئمة) الراشدون (بعدهما من) أجل (خطر الضمان ، والفضيلة مع الخطر) ، فإن أفضل العبادات أحمزها كما ورد ، وهذا الذي صححه المصنف من أفضلية الإمامة هو ما رجحه القاضي أبو الطيب ، والدارمي ، وابن أبي هريرة ، وصاحب الإفصاح قال الأذرعي : وهو الذي رجحه كثيرون ، ونص عليه الشافعي في الأم خلاف ما حكاه النووي عنه ، فإن لفظه : "أحب الأذان " لقوله - عليه السلام - : "اللهم اغفر للمؤذنين " وأكره الإمامة للضمان ، وما على الإمام فيها ، وإذا أم ينبغي أن يتقي ، ويؤدي ما عليه في الإمامة ، فإذا فعل رجوت أن يكون خير حال من غيره . قال صاحب الشامل : وغيره هذا يدل على أنه إذا كان يقوم بالإمامة كانت أفضل . أهـ .

وقال في موضع آخر : ولا أكره الإمامة إلا من جهة كونها ولاية ، وأنا أكره سائر الولايات ، وحمله على ما قدمنا متعين ، وقال الروياني : الصحيح أن الإمامة أولى إذا قام بحقها ؛ لأنها أشق . نص عليه الشافعي في كتاب الإمامة ، ولا يحتمل أن يقال غير هذا . وغلط من خالفه ، ورجحه الرافعي ، ونسبه لترجيح الأكثرين ؛ منهم الشيخ أبو حامد وأتباعه ، والبغوي ، واختاره ابن الرفعة في المطلب قال المتأخرون ، ويتعجب من النووي كيف يفضل الأذان مع أنه سنة ، والجماعة فرض كفاية ، ونظامها إنما هو بالإمامة ، ومن المعلوم أن القيام بالفرائض أجل من القيام بالنوافل بدرجات كثيرة . والله أعلم ، ثم زاد المصنف وضوحا لما ذهب إليه من أن الفضيلة في الخطر ، فقال : (كما أن رتبة الخلافة ، والإمارة أفضل) الخلافة النيابة عن الغير لغيبة المنوب عنه ، أو موته ، والخليفة هو القائم بما يقوم به المستخلف على حسب رتبة ذلك الخليفة منه ، والإمارة الولاية (لقوله - صلى الله عليه وسلم - : "ليوم واحد من ذي سلطان عادل أفضل من عبادة سبعين سنة ) قال العراقي : أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس بسند حسن بلفظ : ستين . أهـ .

وهو معنى الخبر المشهور الدائر على الألسنة : عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة (ولكن فيها خطر) ، أي : في الإمامة ؛ لكونها من قبل الولايات (ولذلك وجب تقديم الأفضل ، والأفقه) على غيرهما .

قال النووي في الروضة : الأسباب التي يترجح بها الإمام ستة : الفقه ، والقراءة ، والورع ، والسن ، والنسب ، والهجرة ، فإذا اجتمع عدل ، وفاسق ، فالعدل أولى بالإمامة ، وإن اختص الفاسق بزيادة الفقه ، والقراءة ؛ بل تكره الصلاة خلف الفاسق ، والمبتدع الذي لا يكفر ببدعته ، وفي الأورع مع الأفقه ، والأقرأ وجهان .

قال الجمهور : هما مقدمان عليه ، وقال الشيخ أبو محمد ، وصاحبا التتمة ، والتهذيب : يقدم عليهما ، والأول أصح ، ولو اجتمع من لا يقرأ إلا ما يكفي الصلاة ، ولكنه صاحب فقه وآخر يحسن القرآن كله ، وهو قليل الفقه ؛ فالصحيح أن الأفقه أولى ، والثاني : هما سواء ، فأما من جمع الفقه والقراءة ، فهو مقدم على المنفرد بأحدهما قطعا ، والفقه والقراءة يقدم كل واحد منهما على النسب ، والسن ، والهجرة ، وعن بعض الأصحاب قول مخرج أن السن يقدم على الفقه ، وهو شاذ ، وإذا استويا في الفقه والقراءة ، ففيه طرق . أهـ .



(فصل)

وقال أصحابنا : يقدم الأعلم ، ثم الأقرأ ، وهو قول أبي حنيفة ، ومحمد ، واختاره صاحب الهداية ، وغيره من أصحاب المتون ، وعليه أكثر المشايخ ، وقال أبو يوسف : يقدم الأقرأ ، ثم الأعلم ، واختاره جمع من المشايخ ، ومن الشافعية ابن المنذر ، كما نقله النووي في المجموع ، ثم اتفقوا ، فقالوا : ثم الأورع ، ثم الأسن ، ثم الأحسن خلقا ، ثم الأحسن وجها ، ثم الأشرف نسبا ، ثم الأحسن صوتا ، ثم الأنظف ثوبا ، فإن استووا يقرع بينهم ، أو الخيار إلى القوم ، فإن اختلفوا ، فالعبرة بما اختاره الأكثر ، فإن قدموا غير الأولى أساءوا في التجنيس لو أم قوما وهم له كارهون ، فهو على ثلاثة أوجه إن كانت الكراهة لفساد فيه ، أو كانوا أحق بالإمامة منه يكره . هكذا رواه الحسن البصري عن الصحابة ، وإن كان هو أحق بالإمامة منهم ، ولا فساد فيه ، ومع هذا يكرهونه لا يكره له التقدم ؛ لأن الجاهل ، والفاسق يكرهان العالم ، والصالح .

قلت : والذي ذهب إليه أبو يوسف من تقديم الأقرأ على الأعلم رواية عن الإمام أبي حنيفة ، ودليله قوي من حيث النص ؛ حيث قال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الجماعة إلا البخاري : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى ، فإن كانوا في القراءة سواء ،

[ ص: 175 ] فأعلمهم بالسنة "
، ففرق بين الفقيه ، والقارئ ، وأعطى الإمامة للقارئ ما لم يتساويا في القراءة ، فإن تساويا لم يكن أحدهما بأولى من الآخر ، فوجب تقديم العالم بالسنة ، وهو الأفقه ، ثم قال - عليه السلام - : "فإن كانوا في السنة سواء ، فأقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء ، فأقدمهم إسلاما " الحديث . وأما تأويل المخالف للنص بأن الأقرأ في ذلك الزمان كان الأفقه ، فقد رد هذا التأويل قوله - عليه السلام - : "فأعلمهم بالسنة " ، ولكن قد يجاب عنه بأن المراد بالأقرأ في الخبر الأفقه في القرآن في معرفة أمره ، ونهيه وأحكامه ، فإذا استووا في القرآن ، فقد استووا في فقهه ، فإذا زاد أحدهم بفقه السنة ، فهو أحق ، فلا دلالة في الخبر على تقديم الأقرأ مطلقا ؛ بل تقديم الأقرأ الأفقه في القرآن على من دونه ، ولا نزاع فيه ، فتأمل ، واعلم أن كلام الله لا ينبغي أن يقدم عليه شيء أصلا بوجه من الوجوه ، فإن الخاص أن تقدمه من هو دونه ، فليس بخاص ، وأهل القرآن هم أهل الله ، وخاصته ، وهم الذين يقرؤون حروفه من عجم ، وعرب ، وقد صحت لهم الأهلية الإلهية ، والخصوصية ، فإن انضاف إلى ذلك المعرفة بمعانيه ، فهو فضل في الأهلية ، والخصوصية ، لا من حيث القرآن ؛ بل من حيث العلم بمعانيه ، فإذا انضاف إلى العلم به العمل به فنور على نور على نور ، فالقارئ مالك البستان ، والعالم كالعارف بأنواع فواكه البستان ، وتطعيمه ، ومنافع فواكهه ، والعامل كالآكل من البستان ، فمن حفظ القرآن ، وعلمه ، وعمل به كان كصاحب بستان علم ما في بستانه ، وما يصلحه ، وما يفسده ، وآكل منه ، ومثل العالم العامل الذي لا يحفظ القرآن كمثل العالم بأنواع الفواكه ، وتطعيماتها ، وغراسها ، والآكل الفاكهة من بستان غيره ، ومثل العامل كمثل الآكل من بستان غيره ، فصاحب البستان أفضل الجماعة الذين لا بستان لهم ، فإن الباقي يفتقر إليه ، والاعتبار في ذلك أن الأحق بالإمامة من كان الحق سمعه ، وبصره ، ويده ، وسائر أوصافه ، فإن كانوا في هذه الحالة سواء ، فأعلمهم بما تستحقه الربوبية ، فإن كانوا في العلم بذلك سواء ، فأعرفهم بالعبودية ، ولوازمها ، وليس وراء معرفة العبودية حال يرتضى يقوم مقامه ، أو يكون فوقه ؛ لأنه لذلك خلقوا .

قال تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ، والإمامة على الحقيقة إنما هي لله الحق - جل جلاله - وأصحاب هذه الأحوال إنما هم نوابه ، وخلفاؤه ، ولهذا وصفهم بصفاته ، فهو الإمام لا هم .

قال تعالى : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ، وقال : من يطع الرسول ، فقد أطاع الله . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث