الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( كتاب التدبير ) :

الكلام في هذا الكتاب يقع فيما ذكرنا في كتاب العتق ، وهو بيان ركن التدبير ، وبيان شرائط الركن ، وبيان صفة التدبير ، وبيان حكم التدبير ، ووقت ثبوت حكمه وبيان ما يظهر به التدبير .

( فصل ) :

أما الأول ، فركن التدبير هو اللفظ الدال على معنى التدبير لغة ، وهو إثبات العتق عن دبر ، ثم إثبات العتق عن دبر نوعان : مطلق ومقيد .

أما المطلق فهو أن يعلق الرجل عتق عبده بموته مطلقا ، وله ألفاظ قد تكون بصريح اللفظ مثل أن يقول : أنت مدبر أو دبرتك ، وقد تكون بلفظ التحرير والإعتاق نحو أن يقول : أنت حر بعد موتي أو حررتك بعد موتي أو أنت معتق أو عتيق بعد موتي أو أعتقتك بعد موتي ، وكذا إذا قال : أنت حر عند موتي أو مع موتي أو في موتي هو بمنزلة قوله بعد موتي ; لأن ( عند ) كلمة حضرة فعند الموت يستدعي وجود الموت ، فيكون موته بمعنى الشرط وجمع للمقارنة ، ومقارنة الشيء يقتضي وجودهما ، و ( في ) للظرف فإذا دخل ما لا يصلح ظرفا يجعل شرطا .

كما إذا قال لعبده : أنت حر في دخولك الدار وقد يكون بلفظ اليمين بأن يقول : إن مت فأنت حر أو يقول : إذا مت أو متى مت أو متى ما مت أو إن حدث بي حدث أو متى حدث بي ; لأنه علق العتق بالموت مطلقا ، وكذا إذا ذكر في هذه الألفاظ مكان الموت الوفاة أو الهلاك ، ولو قال : إن مات فلان فأنت حر لم يكن مدبرا لأنه لم يوجد تعليق عتق عبده بموته ، فلم يكن هذا تدبيرا بل كان تعليقا بشرط مطلق ، كالتعليق بسائر الشروط من دخول الدار وكلام زيد وغير ذلك ، وقال أبو يوسف : لو قال : أنت حر إن مت أو قتلت فليس بمدبر .

وقال زفر : هو مدبر ; لأنه علق عتقه بالموت وأنه كائن لا محالة ، ولأبي يوسف إن علق بأحد الأمرين فلا يصير مدبرا [ ص: 113 ] كما لو قال : إن مت أو مات زيد ، ولو قال : إن مت وفلان فأنت حر أو قال : أنت حر بعد موتي وموت فلان أو قال : بعد موت فلان وموتي لم يكن مدبرا إلا أن يموت فلان قبله ، فيصير حينئذ مدبرا وإنما لا يصير مدبرا للحال ; لأنه يحتمل أن يموت المولى أولا فلا يعتق ; لأنه علق العتق بشرطين : بموته ، وموت فلان فلا يعتق بموته وحده ويصير العبد ميراثا .

فبعد ذلك إن مات فلان ووجد الشرط الآخر ، فإنما وجد بعدما انتقل الملك إلى الورثة ، ويحتمل أن يموت فلان فيصير مدبرا ويعتق بموت المولى ، فكان هذا كالتدبير المقيد ، ثم ينظر إن مات المولى أولا فقد صار العبد ميراثا للورثة لما بينا .

وإن مات فلان أولا فقد صار مدبرا ; لأن التدبير صار مطلقا وصار العبد بحاله يعتق بموت المولى ، ثم استشهد في الأصل ، فقال : ألا ترى أنه لو قال : أنت حر بعد كلامك فلانا وبعد موتي .

فكلم فلانا ، كان مدبرا ، وكذلك قوله : إذا كلمت فلانا فأنت حر بعد موتي .

فكلمه صار مدبرا ; لأنه بعد الكلام صار التدبير مطلقا فكذا هذا ، وقد يكون بلفظ الوصية وهو أن يوصي لعبده بنفسه أو برقبته أو بعتقه ، أو يوصيه بوصية يستحق من جملتها رقبته أو بعضها ، نحو أن يقول له : أوصيتك بنفسك أو برقبتك أو بعتقك ، أو كل ما يعبر به عن جملة البدن ; لأن الموصي يزيل ملكه بالوصية ، ثم إن كان الموصى له ممن يحتمل الملك يزول الملك إليه ، وإلا فيزول لا إلى أحد ، والحر لا يحتمل أن يملك نفسه لما فيه من الاستحالة فكانت الوصية له بنفسه إزالة الملك لا إلى أحد وهذا معنى الإعتاق ، فهذا الطريق جعل بيع نفس العبد وهبتها له إعتاقا كذا هذا ، فيصير في معنى قوله : أنت حر بعد موتي ، وكذا لو قال له : أوصيت لك بثلث مالي ; لأن رقبته من جملة ما له فصار موصى له بثلثها ، ولأن هذا إزالة الملك من الثلث لا إلى أحد فيكون إعتاقا ، وروى بشر عن أبي يوسف في من أوصى لعبده بسهم من ماله أنه يعتق بعد موته ، ولو أوصى له بجزء من ماله لم يعتق ، ووجه الفرق أن السهم عبارة عن السدس فإذا أوصى له بسدس ماله فقد دخل سدس رقبته في الوصية .

فأما اسم الجزء فلا يتضمن الوصية بالرقبة لا محالة ، فكان الخيار فيه إلى الورثة فلهم التعيين فيما شاء ، والله - عز وجل - أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث